قال القرطبي: ويقويه أنه لم ينقل أن الحفظة يفارقون العبد ولا أن حفظة الليل غير حفظة النهار ولأنهم لو كانا هم الحفظة لم يقع الاكتفاء في السؤال منهم عن حالة الترك دون غيرها في قوله تعالى: (كيف تركتم عبادي) وعن الطبراني: (( أن عثمان سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن عدد الملائكة الموكلين بالآدمي؟ فقال: لكل آدمي عشرة بالليل وعشرة بالنهار، واحد عن يمينه وآخر عن شماله واثنان بين يديه ومن خلفه واثنان على حاجبيه وآخر قابض على ناصيته فإن تواضع رفعه وإن تكبر خفضه واثنان على شفتيه ليس يحفظان عليه إلا الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم والعاشر يحرسه من الحية أن تدخل فاه ) ). ويؤخذ من الحديث أن كل عبد وكل به جمع من الحفظة هذا على جعل العطف للتفسير، وأما على جعله للمغايرة لهو لمطابقة قوله بكل عبد لأن كل واحد من العباد إنما عليه ملكان وهو الرقيب والعتيد من ملائكة الليل والنهار والكتب حقيقي
قوله: (لم ينقل أن الحفظة يفارقون العبد) أي والكتبة يفارقونه عند الحاجات الثلاث كما سبق فهما متغايران. قوله: (لم يقع الاكتفاء) أي بل كان السؤال عن جميع ما صدر وكتب ولا يخفى احتمال الإغضاء أو مزيد الاعتناء. قوله: (لكل آدمي) ظاهره ولو كافرا فعلى شفته ملكان وإن كان هو لا يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم لأن أصل الحكمة زيادة التوبيخ لقوم والرفعة لآخرين.
قوله: (هذا على جعل العطف للتفسير) الأجزل في المعنى أن اسم الإشارة راجع لمحذوف أي يؤخذ من الحديث أن الحفظة جمع فجمع الكتبة ظاهر هذا على جعل العطف للتفسير فتكون الكتبة جمعا لأنهم هم الحفظة وهم جمع وفيه أنه على جعل العطف للتفسير لا يراد بالحفظة العشرة أو الأكثر، كما روي أيضا الذين يحفظون من المضار فإن العطف حينئذ مغاير بل يراد حفظة ما يصدر منه وليس هم إلا اثنان الكتبة وهو قوله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ} [الانفطار: 10 - 11] وإن احتمل حذف الواو وعطف التعاير وبالجملة فعلى التفسير الجمع في المحلين لما فوق الواحد أو لمطابقة قوله: كل عبد كما قال: وفيه أن المتبادر من كل عبد فرد وحده، وإنما يظهر ما قال لو التفت إلى الهيئة الاجتماعية، وذلك قريب في الآية السابقة وظاهر صحة جمع الحافظين على المغايرة وأن التكليف في الكاتبين فليتأمل كلام الشارح في هذا التعبير. قوله: (حقيقي) أي خلافا لمن جعله كناية عن الحفظ والعلم فقوله تعالى: {كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 11، 12] جملة يعلمون بيان لسبب الكتابة لا للكتابة نفسها، ومنكر أصل الكتب كافر لتكذيب القرآن.