بآلة وقرطاس ومداد يعلمها الله سبحانه حملا للنصوص على ظواهرها. ففي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله لطف الملكين الحافظين حتى أجلسهما على الناجذين وجعل لسانه قلمهما وريقه مدادهما ) ). وخرجه الديلمي من حديث علي بلفظ (( لسانه قلم الملك وريقه مداده ) )والمراد بالناجذين آخر الأضراس الأيمن والأيسر، وقيل: محلها من الإنسان عاتقاه، وقيل: ذقنه وقيل: شفتاه وقيل: عنفقته. وفي حديث معاذ من الأبلغية ما ليس في غيره وملك الحسنات من ناحية اليمين أمين أو أمير على كاتب السيئات من ناحية اليسار، فإن مشى كان أحدهما على أمامه والآخر وراءه وإن قعد كان أحدهما على يمينه والآخر على يساره، وإن رقد كان أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه كما روي عن مجاهد لا يتغيران ما دام حيا، وقيل: بل لكل يوم وليلة ملكان يتعاقبان عند صلاة العصر وصلاة الصبح ويؤرخون ما يكتبون من أعمال العباد بالأيام والجمع والأعوام والأماكن.
(لن يهملوا) أي لا يتركوا (من أمره شيئا فعل) المراد من الفعل ما يعم القول وغيره كما ذكر أولا إذ الكتابة ليست مختصة بالأقوال بل تكون في الأفعال والاعتقادات والنيات كذكر القلب سرا بعلامة يعرفونه بها، ففي حديث حجاج بن دينار قلت لأبي معشر: الرجل يذكر الله في نفسه كيف تكتبه الملائكة قال: يجدون الريح، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا كذب العبد كذبة تباعد عنه الملك ميلا من نتن ما جاء به ) )وظواهر الآثار أن الحسنات تكتب متميزة من السيئات فقيل: إن سيئات المؤمن أول كتابه وآخره هذه ذنوبك قد سترتها وغفرتها وحسنات الكافر أول كتابه وآخره هذه حسناتك قد رددتها عليك وما قبلتها.
(ولو ذهل) حال صدور ذلك الفعل عنه لأنه ليس الغرض من الكتب الإثابة ولا المعاقبة، ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18] قال: يكتب كل ما يتكلم به من خير أو شر حتى إنه ليكتب قوله: أكلت شربت ذهبت جئت رأيت حتى إذا كان يوم الخميس
قوله: (ففي حديث الخ) فيه أن هذا طريق مرجوحة غير التي تفوض العلم إلى الله وليس تعليلا لها قرره شيخنا ولك أن تقول التفويض في كيفية الكتب تفصيلا لا ينافي هذا فتأمل. قوله: (الناجذين الخ) يجمع بين هذه الأقاويل بأنهما لا يلزمان محلا واحا والأسلم في أمثال ذلك الوقف. قوله: (وغفرتها) يحمل على ذنوب أراد الله غفرها. قوله: (أكلت شربت) في بعض العبارات أن مثل هذا لكاتب اليسار.