(فرب من جد لأمر) أي لأنه رب من اجتهد بتوفيق الله تعالى لتحصيل أمر من أمر الآخرة أو الدنيا (وصلا) إليه لتقدير الله له في الأزل وصوله إليه (وواجب إيماننا) مبتدأ وخبر أي تصديقنا (بالموت) ونزوله بكل ذي روح واجب لقوله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30] {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185] والأحاديث فيه كثيرة، ولأنه من مجوزات العقول التي ورد الشرع بها فوجب اعتقادها.
ومذهب إمامنا الأشعري رحمه الله تعالى أن الموت كيفية وجودية تضاد الحياة فلا يعرى الجسم الحيواني عنهما ولا يجتمعان فيه وليس بعدم محض ولا فناء صرف وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقة وحيلولة بينهما وتبدل حال بحال وانتقال من دار إلى دار، وفي حديث عمر بن عبد العزيز (( إنما خلقتم للأبد ولكنكم تنتقلون من دار إلى دار ) )وقد أشرت إلى شيء من لبابه بكتاب ابتسام الأزهار (و) واجب إيماننا أيضا بأنه (يقبض الروح) أي يخرجها ويأخذها بإذن ربه عز وجل من مقرها أو من يد أعوانه ولو أرواح الشهداء برا وبحرا. والمراد جميع أرواح الثقلين والملائكة والبهائم والطيور وغيرهم ولو بعوضة (رسول الموت) عزرائيل عليه السلام، ومعناه عبد الجبار كما ذهب إليه أهل الحق خلافا للمعتزلة حيث ذهبوا إلى أنه لا يقبض أرواح غير الثقلين وللمبتدعة الذاهبين إلى أنه لا يقبض أرواح البهائم بل أعوانه، وأشار إلى الرد على الجميع بأل الدالة على العموم وهو ملك عظيم هائل المنظر مفزع جدا رأسه في السماء العليا ورجلاه في تخوم الأرض السفلى، ووجهه مقابل اللوح المحفوظ والخلق
قوله: (فرب من جد) مرتبط بمحذوف يؤخذ من قوله: وقلل الأملا تقديره وجد في مطلوبك. قوله: (بالموت) يعني بعمومه وفناء الكل كما نبه عليه الشاح ردا على الدهرية، قالوا: أرحام تدفع وأرض تبلع أو المراد الموت على الوجه المعهود شرعا من تقدير الآجال لا كما قالت الحكماء إنه بمجرد اختلال نظام الطبيعة وتلاشي المزاج وأما أصل وقوع الموت فمشاهد لا يشك فيه عاقل فلا حاج للنص عليه، وفي كلام الحسن ما رأيت يقينا أشبه بالباطل من الموت أراد يتيقنه الإنسان ولا يتهيأ له فكأنه يكذبه. قوله: (وجودية) لقوله تعالى: {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} [الملك: 2] وقيل: أريد الأسباب وقيل: كناية عن الدنيا والآخرة، ويحتمل العلم والجهل وبالجملة الموت صفة للميت فما في شرح المصنف وغيره من أنه معنى في كف ملك الموت أو تصويره بكبش والحياة بفرس كله باعتبار الأسباب والتمثيل والوقف والتفويض في أمثال هذه المقامات أولى. قوله: (انقطاع تعلق الروح) أي ذو انقطاع وإلا فقد جعله كيفية ثم المنقطع التعلق المعهود