ومثله كل مقتول على الحق كالمجروح في قتال البغاة وقطاع الطريق وإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأما المقتول في حرب الكفار لإعلاء كلمة الله تعالى، لكن مع مقارنة سبب مؤثم كمن غل في الغنيمة أو محض القصد للغنيمة فله حكم شهداء الدنيا لا ثوابهم الكامل وأما المبطون والمطعون ونحوهما من شهداء الآخرة فقط فإنه وإن كان كالأول في الثواب لكنه دونه في الحياة والرزق وأحكام الدنيا فإنه يغسل ويصلى عليه فظهر أن الشهداء ثلاثة: شهيد دنيا وآخرة. وشهيد دنيا فقط. وشهيد آخرة فقط، وهذا الثالث خرج بقول الناظم: وصف شهيد الحرب بالحياة بعد شموله للأولين وإرادة الغنيمة أو الوقوع في المعصية لا ينافي حصول الشهادة وسمي شهيدا لأنه حي وروحه شهدت دار السلام أي دخلتها بخلاف غيره فإنه لا يشهدها إلا يوم القيامة ولأن الله وملائكته يشهدون له بالجنة (ورزقه) أي وصف الشهيد أيضا برزق الله إياه (من مشتهى) أي محبوب نعيم (الجنات) جمع جنة، وتقدم معناها لغة وشرعا وما ورد من أن أرواحهم في أجواف أو في حواصل طير معناه أنها تركب تلك الطير أو تكون أجوافها لها كالهوادج الشفافة الواسعة أو أنها كالطير في سرعة قطع المسافة البعيدة لا أن أرواحهم لها أجنحة أو أنها تعمر أجساما أخر فتديرها لئلا يلزم التناسخ.
ولما جرى ذكر الرزق في هذه المسألة أتبعها بالكلام عليه فقال: (والرزق عند القوم) يعني أهل السنة (ما به انتفع) أي ما ساقه الله تعالى إلى الحيوان فانتفع به بالفعل، فدخل رزق الإنسان والدواب وغيرهما وشمل المأكول وغيره مما ينتفع به
خلافا لما في حاشية شيخنا من دخولها في الثاني. قوله: (ومثله كل مقتول الخ) شيخنا ظاهر النصوص قصره على مقاتل الحربيين. قوله: (أو محض القصد) ليس عطفا على غل بل على معنى لإعلاء كلمة الله، فهو مقابل له لا من أمثلته. قوله: (كالأول في الثواب) يعني في مطلق الثواب. قوله: (شموله للأولين) ينافي ما سبق من قصره على الأول والموافق للنصوص ما سبق. قوله: (شهدت) فهو فعيل بمعنى فاعل، وعلى الثاني بمعنى مفعول. قوله: (تركب) ففي بمعنى على نحو {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71] وأطلق الحواصل على الطير بتمامه ثم لا ينافي ما سبق من أن الحياة للهيكل بتمامه إذ القدرة صالحة للربط بين الروح والجسد مع ذلك فتدبر.
قوله: (كالطير) فهو تمثيل أو كناية عن اللازم. قوله: (أو أنها تعمر أجساما) بحيث تصير أرواحا لها وهي حية بها فلا ينافي أنها لها كالبيت. قوله: (ما به انتفع) ولا يرد قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3] لأن المراد ما هيء لكونه