وخرج ما لم ينتفع به وإن كان السوق للانتفاع لأنه يقال في عرف الشرع فيمن ملك شيئا وتمكن من الانتفاع به، ولم ينتفع به إن ذلك ليس رزقا له وبهذا ظهر قول أكابر أهل السنة إن كل أحد يستوفي رزقه وإنه لا يأكل أحد رزق غيره ولا يأكل غيره رزقه وقصده الرد على المعتزلة المشار إليه بقوله: (وقيل: لا) أ] وقال جماعة من المعتزلة: قبحهم الله تعالى لا يصح اعتبار الانتفاع في الرزق ولا الخلو عن اعتبار المملوكية (بل) لا بد من اعتبارهما فهو (ما ملك) أي المملوك مطلقا انتفع به أولا (وما اتبع) هذا القول أي لم يعول عليه أئمتنا لفساده طردا وعكسا، أما فساد طرده فلدخول ملك الله تعالى فيه ولا يسمى رزقا اتفاقا وإلا لكان سبحانه وتعالى مرزوقا، وأما فساد عكسه فلخروج رزق الدواب والعبيد والإماء عند بعض الأئمة مع ما يتصور عليه أن يأكل الإنسان رزق غيره وأن يأكل غيره رزقه ثم فرع على مذهب أهل السنة قوله: (فيرزق الله الحلال) يعني فبسبب اعتماد القول الأول وهو أن الرزق ما ساقه الله إلى الحيوان فانتفع به يجب أن يعتقد أن الله سبحانه وتعالى يرزق الحلال وهو ما نص الله سبحانه وتعالى أو رسوله، أو أجمع المسلمون على إباحة تناوله لغير ضرورة ليخرج إساغة الغصة بالخمر وإباحة الميتة للمضطر أو اقتضى القياء الجلي إباحة تناوله بعينه أو جنسه بأن لم يتبين أنه حرام ونبه بقوله: (فاعلما) على أنه تعالى يرزق كل واحد من الأقسام الثلاثة اجتماعا وانفرادا فحفه أن يتأخر عن قوله: (ويرزق المكروه) وهو ما نهى الله أو رسوله عنه نهيا غير أكيد سواء كان بدلالة المطابقة أو لا.
(والمحرما) أي ويرزق الله المحرم وهو ما نص الله أو رسوله أو أجمع المسلمون على امتناع تناوله بعينه أو جنسه أو اقتضى القياس الجلي ذلك أو ورد فيه حد أو تعزير أو وعيد شديد غير مؤول، سواء كان تحريمه لمفسدة ومضرة خفية كالربا أو لمفسدة ومضرة واضحة كالسم والخمر، ورد بهذا على المعتزلة النافين كون الحرام رزقا بناء على التحسين والتقبيح العقليين. ثم ذكر مسألة من التصوف الآتي بعض تصاريفه عند قول الناظم: وكن كما كان خيار الخلق، لتعلقها بمبحث الرزق لأن منه
رزقا. قوله: (عند بعض الأئمة) هم الذين يقولون: لا ملك للعبد فهو راجع للعبيد، وقالت المالكية: يملك ملكا غير تام. قوله: (ليخرج إساغة الغصة بالخمر) أي فال يوجب ذلك كون الخمر حلالا في ذاته أما عند الضرورة، فحلال بل واجب وكذا ما بعده تدبر. قوله: (فاعلما) أي تأمل لتتعلم أن المراد برزقها اجتماعا وانفرادا هذا توجيه التنبيه الذي ذكره الشارح. قوله: (كالربا) فإن حرمته لأنه يؤدي إلى الضيق في أحد النقدين.