ما يحصل بلا كسب ومنه ما يحصل بمباشرة الأسباب اختيارا فقال: (في الاكتساب) أي في أفضليته وهو مباشرة الأسباب بالاختيار كالسفر للأرباح وتعاطي الدواء لتحصيل الصحة أو حفظها ونحو ذلك (و) في أفضلية (التوكل) من العبد وهو الاعتماد عليه تعالى وقطع النظر عن الأسباب مع تهيئها، ويقال: هو ترك السعي فيما لا تسعه قدرة البشر (اختلف) فرجح قوم الأول لما فيه من كف النفس عن التطلع إلى ما في أيدي الناس ومنعها من الخضوع لهم والتذلل بين أيديهم مع حيازة منصب التوسعة على عباد الله سبحانه وتعالى مواساة المحتاجين وصلة الأرحام بتوفيق الله تعالى.
ورجح قوم الثاني لما فيه من ترك كل ما يشغل عن الله تعالى وحيازة مقام السلامة من فتنة المال أو المحاسبة عليه ولاتصاف بالرغبة إلى الله تعالى والوثوق بما عنده. ولما لم يكن هذا الإطلاق مرضيا أشار إليه بقوله: (والراجح التفصيل) أي القول بأنه هو المختار عند القوم وأنهما يختلفان باختلاف أحوال الناس فمن يكون في توكله لا يسخط عند ضيق معيشته ولا يتطلع لسؤال أحد ولا تتعلق به نفقة لازمة لمن لا يرضى بحاله فالتوكل في حقه أرجح لما فيه من مجاهدة النفس على ترك شهوتها ولذتها والصبر على شدتها ومن يكون في توكله على خلاف ذلك، فالاكتساب ف حقه أرجح حذرا من التسخط وعدم الصبر، بل ربما وجب التكسب في حقه وهذا التفصيل (حسبما عرف) من كتب القوم كالإحياء للغزالي والرسالة للقشيري ولكن هذا التفصيل لا يتمشى إلا على أحد طريقي العلماء أن الاكتساب ينافي التوكل.
وأما على الطريق الثاني الراجح عند الجمهور فلا، لأنهم عرفوا التوكل بأنه الثقة بالله تعالى والإيقان بأن قضاءه نافذ واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم في السعي فيما لا بد منه سيما المطعم المشرب والتحرز من العدو كما فعله الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ثم شرع في مسائل ينفع علمها ولا يضر جهلها في العقيدة لدعاء الحاجة إليها فقال: (وعندنا) معاشر أهل الحق من الأشاعرة (الشيء هو الموجود) أي اسم للموجود الكائن الثابت يعني أن معنى الشيء ومدلوله هو معنى الموجود ومدلوله فهما متساويان صدقا، فكل
قوله: (أحد طريقي العلماء أن الاكتساب ينافي الخ) الظاهر أن الخلاف لفظي وأن التنافي باعتبار التوكل الظاهري، وفي شرح المصنف ترجيح فضل الغني الشاكر على الفقير الصابر وهو مختلف فيه قديما. قوله: (من الأشاعرة) بل أهل السنة مطلقا.