فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 318

(إلى نفسك) أي في أحوال ذاتك لأنها أقرب الأشياء إليك، لقوله تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21]

قوله: (إلى نفسك) بدأ بها لما ورد (( من عرف نفسه عرف ربه ) )قيل معناه من عرف نفسه بالحدوث والفقر عرف ربه بالقدم والغنى أي من تفكر بدائعها استدل بها، وقال الشريف المقدسي في مفاتيح الكنوز وحل الرموز: هو إشارة إلى التعجيز أي أنت لا تعرف نفسك فلا تطمع في كنه ربك، وأنشد:

قل لمن يفهم عني ما أقول ... قصر القول فذا شرح يطول

ثم سر غامض من دونه ... ضربت والله أعناق الفحول

أنت لا تعرف إياك ولا ... تدر من أنت ولا كيف الوصول

لا ولا تدري صفات ركبت ... فيك حارت في خفاياها العقول

أين منك الروح في جوهرها هل تراها فترى كيف تجول

هذه الأنفاس هل تحصرها ... لا ولا تدري متى عنك تزول

أين منك العقل والفهم إذا ... غلب النوم فقل لي يا جهول

أنت أكل الخبز لا تعرفه ... كيف يجري منك أم كيف تبول

فإذا كانت طواياك التي ... بين جنبيك كذا فيها ضلول

كيف تدري من على العرش استوى لا تقل كيف استوى كيف النزول

قوله: (أي في أحوال ذاتك) جعل إلى بمعنى في لأن النظر هنا بمعنى الفكر وهو لا يتعدى إلا بفي وقدر أحوال لأن الفكر فيها أبدع من الفكر في الذات من حيث هي ذات. قوله: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ} [الذاريات: 21] أي آت بدليل ما قبله ولا يعلق بتبصرون لمنع صورة الاستفهام التوبيخي ولا حاجة إلى أن يقال: يتوسع في الظروف والأصل فألا تبصرون زحلقت الفاء إتماما لحق الاستفهام من الصدارة، وقيل: الاستفهام داخل على محذوف والفاء عاطفة عليه والأصل والله أعلم، أتتركون التأمل فيما ذكرنا من الآيات فلا تبصرون أي لا ينبغي ترك النظر فأفاد طلبه وهو المراد هنا، ولابن عطاء الله:

ما أبينت لك المعالم إلا ... لتراها بعين من لا يراها

فارق عنها رقي من ليس يرضى ... حالة دون أن يرى مولاها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت