الثالث: أن تكون الإصابة المشروطة ممكنة لا ممتنعة ولا متيقنة، فإن شرط ما تتوقع إصابته صح، وإن شرط ما هو ممتنع في العادة لشدة صغر القرطاس، أو بعد المسافة، أو كثرة الإصابة كإصابة مائة أو عشرة متوالية بطل العقد، وفي العشرة وجه ضعيف.
قال المؤلف: هذا الوجه ليس بضعيف، بل ينبغي أن يفرق في هذا بين الغرض القريب والغرض البعيد، فإن العادة لا تمنع إصابة الرامي الحاذق عشرة متوالية، إلا أن يكون الغرض بعيدا، واللّه أعلم.
ولو شرطا ما هو متيقن في العادة كإصابة الحاذق واحدا من مائة ففي صحة العقد وجهان، ولو شرطا ما يمكن حصوله نادرا كإصابة تسعة من عشرة لم يصح في الأصح، وهو مذهب أحمد [1] ، ويجري الخلاف في كل صورة تنذر فيها الإصابة المشروطة كالتناضل إلى مسافة تندر الإصابة فيها، والتناضل في الليلة المظلمة، وإن كان الغرض قد يتراءى لهما.
قال المؤلف عفا اللّه عنه: النادر من حيث النظر إلى عموم الرماة كالممكن في حق الحذاق منهم، فلو قيل الحذّاق منهم: ينبغي أن ينظر إلى الرماة وإلى ما شرطوه من الإصابة، فإن كان ممكنا لمثلهم، فيقال: بالصحة، وإن كان ممتنعا أو نادرا، فيقال: بالبطلان، لكان حسنا، واللّه أعلم.
وينبغي أن يتقارب المتناضلان في الحذق، فإن تفاوتا فكان أحدهما يصيب في أكثر رميه، والآخر يخطئ في أكثره، فوجهان.
الرابع: الاعلام، وهي العلم بالمال المشروط، وبعدد الإصابة وبالمسافة التي يرميان إليها، وبقدر الغرض وعدد الأرشاق والبادي منهما.
أما العلم بالمال المشروط فعلى ما تقدم في المسابقة، وأما العلم بعدد الإصابة، فمثل أن يقولا: من أصاب خمسا من عشرين فهو ناضل ولابد أن يستويا في عدد الإصابة، فلو شرطا أن يصيب أحدهما خمسة والآخر ثلاثة، أو شرطا أن يحط أحدهما من إصابته سهمين، أو يحط سهمين من إصابته بسهم من إصابة صاحبه، أو إذا أخطأ يرد عليه سهم أو سهمان ليعيد رميهما، أو أن يرمي أحدهما وبين أصابعه سهم، والآخر بين أصابعه سهمان، أو أن يرمي أحدهما وعلى رأسه شيء، والآخر خال عن شاغل، أو أن يحط عن أحدهما واحد من خطئه لا له ولا عليه، وأشباه هذا مما تفوت به المساواة، لم يجز، وهو مذهب أحمد -أيضا - في جميع ما تقدم، لأن موضوع المناضلة على المساواة والغرض معرفة الحذق، وزيادة أحدهما على الآخر فيه.
مسألة: ينبغي أن يبينا صفة الإصابة، وهي أنواع حواصل: وهي: المصيبة للغرض، كيف ما كانت، ويسمى ذلك أيضا: القرع، والقرطسة.
وخوارق، وهي: التي تثقب الغرض ولا تثبت فيه.
وخواسف: بالخاء المعجمة، وهي: التي تثقبه وتثبت فيه.
وخوارم: وهي: التي تخرم طرف الغرض.
وموارق، وهي: التي تثقبه وتمرق من الجانب الأخر.
وخواصر، وهي: التي تقع في أحد جانبي الغرض، ومنه الخاصرة، لأنها في جانب الإنسان.
وحوابي، وقد فسره أصحاب أحمد، وكثير من أصحاب الشافعي بأنه: ما وقع بين يدي الغرض ثم زحف إليه فأصابه، ومنه يقال: حبى الصبي، والمزدلف [2] كالحابي، إلا أن الحابي أضعف حركة منه.
ثم هل يشترط التعرض لذكر شيء منها في العقد أم لا؟ وجهان، الأصح منهما: لا يشترط، وعلى هذا إذا أطلقا ولم يبينا حمل على القرع، لأنه المتعارف غالبا.
والوجه الثاني: يشترط وصف الإصابة، وهو مذهب أحمد [3] ، والله أعلم. وأما المسافة التي يرميان إليها فيجب في الأظهر أن تكون معلومة عندهما إما بالمشاهدة أو بالذرعان، ولو ذكرا غاية لا تبلغها السهام بطل العقد، وكذلك إن ذكرا غاية تندر فيها الإصابة بطل في الأصح، وهذا جميعه مذهب أحمد، وقد قدر الأصحاب ما تقرب إصابته، بمائتين وخمسين وما تتعذر بما فوق الثلاث مائة والخمسين ذراعا، وما تندر إصابته بما بينهما.
وذكر صاحب المغني، أن ما زاد على ثلاث ذراع لا يصح، قال: وقد قيل: إنه ما رمى إلى أربع مائة ذراع إلا عقبة بن عامر الجهني، انتهى [4] .
قال المؤلف: الإصابة لا تتعذر بقسي الرجل فيما زاد على الثلاث مائة والخمسين ذراعا، بل ولا في الأربع مائة والخمس مائة، سيما إن كان الغرض متسعا والقوس شديدة عادلة، واللّه أعلم.
مسألة: لو تناضلا على أن السبق لأبعدهما رميا ولم يقصدا غرضا، صح في الأصح، لأن الأبعاد أيضا مقصودة في مقاتلة القلاع [5] ، ونحوها وحصول الإرعاب وامتحان شدة الساعد.
قال الإمام: والذي أراه على هذا أنه يشترط استواء القوسين في الشدة وتراعى خفة السهم ورزانته، لأنهما يؤثران في القرب والبعد تأثيرا عظيما.
والوجه الثاني: لا يصح، وهو مذهب أحمد [6] ، لأن الغرض من الرمي الإصابة لا بعد المسافة وأما قدر الغرض، فالأظهر وجوب بيانه طولا وعرضا بالمشاهدة، أو بتقدير شبر أو شبرين، ونحو ذلك، وهذا مذهب أحمد -
(1) المغني: 8/ 661.
(2) أي المقترب، يقال: ازدلف السهم إلى كذا: اقترب. انظر: المصباح: ص 254.
(3) غني: 8/ 662.
(4) المغني: 8/ 663، ط الثالثة، دار المنار.
(5) القلاع: جمع القلعة مثل قصبة: حصن ممتنع في جبل. انظر: المصباح: ص 513.
(6) انظر: المغني: 8/ 663.