وأما العلم بالبادئ منهما فيشترط تعيين من يبدأ من المتناضلين بالرمي، وإذا عيناه في العقد اتبع، وإن أطلقا ولم يذكرا البادئ منهما بطل العقد في الأظهر، وعلى القول الثاني: يصح، وعلى هذا ففي من يبدأ منهما وجهان، أحدهما: ينزل على عادة الرماة، وهي: تفويض الأمر إلى مخرج السبق، فإن أخرجه أحدهما فهو أولى، وإن أخرجه غيرهما قدم من شاء. والثاني: يقرع بينهما بكل حال.
وقال صاحب المغني: إن كان المخرج أجنبيا قدم من يختار منهما، فإن لم يختر وتشاحا أقرع بينهما، انتهى [1] .
وإذا ثبت الابتداء لواحد فرمى الآخر قبله، لم يحسب له إن أصاب ولا عليه إن أخطأ، ويرمي ثانيا عند انتهاء النوبة إليه، وهذا مذهب أحمد أيضا.
مسألة: قال صاحب المغني: وإذا بدأ أحدهما في وجه، بدأ الآخر في الثاني تعديلا بينهما، وإن شرطا البداية لأحدهما في كل الوجوه لم يصح، لأن موضوع المناضلة على المساواة، انتهى. وهو موافق للمنقول عن نص الشافعي في ا لمسألتين.
الخامس: تعيين الرماة فلا يجوز العقد إلا على راميين معينين أو رماة معينين، وتجوز المناضلة بين حزبين فصاعدا، ويكون كل حزب في الخطأ والإصابة كالشخص الواحد، وليكن لكل حزب زعيم يعين أصحابه فإذا تراضيا توكل عنهم في العقد، ولا يجوز أن يعقدا قبل تعيين الأعوان وطريق التعيين الاختيار بالتراضي، ولا يجوز أن يقتسموا بالقرعة ولكن يختار زعيم واحدا، ثم الزعيم الأخر في مقابلته واحدا، ثم الأول واحدا، ثم الثاني واحدا، هكذا، ولا يجوز أن يختار واحد جميع الحزب أولا، ولو تناضلا على تعيين من خرجت القرعة عليهم، أو على أن يختار كل زعيم ثلاثة أو أربعة ولم يسمهم لم يجز، ومذهب أحمد موافق في ذلك كله [2] ، ولو قال أحد الزعيمين: أنا أختار الحذاق وأعطي السبق، أو اختار الخرق [3] وآخذ السبق، لم يجز وابتداء أحد الحزبين كأحد الشخصين.
مسألة: لو اختار أحد الزعيمين غريبا ظن أنه يجيد الرمي، فبان أنه ضعيف الرمي أو قليل الإصابة لم يفسخ العقد، وكذلك لو بان أنه فوق ما ظنوه لم يكن للآخرين فسخ، وإن بان أنه لا يحسن الرمي أصلا بطل العقد فيه، وسقط من الحزب الآخر واحد بإزائه، وهل يبطل العقد في الباقي؟ فيه قولا تفريق الصَّفْقِة [4] ، وهذا جميعه مذهب أحمد [5] ، وقيل: يبطل قطعا.
(1) المغني: 8/ 666.
(2) انظر: المغني: 8/ 663، 8/ 666.
(3) الخرق: جمع أخرق، يقال: خرق بالشيء يخرق، إذا عنف فلم يحسن عمله. انظر: تهذيب اللغة للأزهري: 7/ 24، تحقيق د. عبد السلام سرحان، ومحمد علي النجار، الدار المصرية للتأليف والترجمة.
(4) الصفقة: هي عقد البيع، لأنه كان عادتهم أن يضرب كل واحد من المتعاقدين يده على يد صاحبه عند تمام العقد، وإذا جمع في البيع بين م! يجوز بيعه وبين ما لا يجوز بيعه، كالحر والعبد، وعبده وعبد غيره، ففيه قولان:
أحدهما: تفرق الصفقة، فيبطل البيع فيما لا يجوز، ويصح فيما يجوز.
والقول الثاني: أن الصفقة لا تفرق فيبطل العقد فيهما.
انظر: المجموع شرح المهذب: 9/ 425، مطبعة العاصمة، الناشر زكريا علي يوسف.
(5) انظر: المغني: 8/ 669. المغني: 8/ 669.