882 -وروى ابن المبارك أيضا عن مسعر، قال: حدثني سعد أنه مر برجل يوم الجسر -يوم أبي عبيد [1] - وقد قطعت يداه ورجلاه، وهو يزحف، وهو يقول: {مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا} [2] . فقال بعض من مر عليه: من أنت؟ فقال: أنا امرؤ من الأنصار.
قال المؤلف عفا اللّه عنه: يوم الجسر المذكور، كان يوم بلاء وتمحيص أكرم اللّه فيه جمعا من المسلمين بالشهادة، وكان من ملخص أمره أن أبا عبيد بن مسعود رضي اللّه عنه لما نزل بمن معه من المسلمين المرج [3] والعاقول [4] بعث إليه بهمان جاذويه [5] ، إما أن تعبروا إلينا وندعكم والعبور، وإما أن تدعونا نعبر إليكم، فقال أبو عبيد: لا يكونون أجرأ على الموت منا. بل نعبر إليهم فعبر إليهم في منزل ضيق المطرد والمهرب فاقتتلوا، وأبو عبيد فيما بين الستة والعشرة آلاف حتى إذا كان آخر النهار تصافحوا بالسيوف، وكانت الخيول لا تقدم على الفيلة، فلما رأى أبو عبيد ذلك ترجل وترجل الناس، ثم قال لهم: اقصدوا الفيلة، وأن الفيل الأبيض ولم يكن رآه قط وتعلق ببطانه [6] فقطعه، وفعل القوم مثله فما تركوا فيلا إلا حطوا رحله وقتلوا أصحابه، وقتل من المشركين ستة آلاف في المعركة ثم ضرب أبو عبيد الفيل على خرطومه فقطعه.
ووقع عليه الفيل وخبطه [7] فقتله، فلما بصر به الناس تحت الفيل ضعفت نفوسهم ثم حاربوا الفيل حتى تنحى عنه واجتروه إليهم وركبهم أهل فارس، وأخذ اللواء سبعة من المسلمين كلهم يقتل فبادر عبد اللّه بن يزيد [8] الجسر فقطعه وجال المسلمون، ثم تموا على جولتهم حتى انتهوا إلى الجسر والسيوف تأخذهم من خلفهم فتهافتوا في الفرات فأصيب منهم بين قتيل وغريق أربعة آلاف وهرب ألفان، واللّه أعلم.
(1) أبو عبيد: هو ابن مسعود بن عمرو الثقفي، ويوم الجسر المعروف بجسر أبي عبيد، كان في آخر شهر رمضان أو أول شوال، من سنة ثلاث عشرة.
انظر: الاستيعاب على هامش الإصابة: 4/ 124 - 125.
(2) سورة النساء: آية 69.
(3) المرج: الفضاء، وقيل: المرج: أرض ذات كلأ ترعى فيها الدواب. لسان العرب: 3/ 188.
(4) العاقول: من النهر والوادي، والرمل: المعوج منه. الصحاح:5/ 1770.
(5) هو الذي ولأه رستم قائدًا للجيش، فقتله القعقاع بن عمرو التميمي بالقادسية سنة أربع عشرة. الكامل: 2/ 438، 473 - 474. وفي المخطوطة: جاروية، بالراء، والتصحيح من الكامل.
(6) البطان للقتب: الحزام الذي يجعل تحت بطن البعير، انتهى. الصحاح:5/ 2079.
(7) الخبط: الضرب، انتهى. المصباح: ص 163.
(8) هو عبد اللّه بن يزيد بن حصين، الأنصاري، الخطمي، بفتح المعجمة، وسكون المهملة، صحابي صغير، ولي الكوفة لابن الزبير، ع. التقريب: ص 193 - 194.
انظر: الإصابة أيضا: 2/ 382 - 383.