فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 321

واعلم أن الجريح في سبيل اللّه لا يجد من ألم الجراح ما يجده غيره، فإنه قد صح في الحديث أن القتيل في سبيل اللّه لا يجد ألم القتل إلا كمسّ القرصة [1] ، وإذا كان هذا حال القتيل فكيف بما دونه من الجراح وهذا أمر مستقر [2] لا يجحده إلا من لم يجرب.

وما تقدم من أخبار الجرحى يؤيد ذلك مع أن العقل لا يستبعد ذلك، فإن سورة الغضب والحمية إذا اشتدت وحكمت وجد الإنسان في نفسه من الشدة والقوة والصبر والاحتمال وقلة المبالاة بالمكروه وعدم الإحساس بالألم ما لم يكن يجده قبل ذلك، حتى ربما يقع بين المتخاصمين بالشِّجاج المؤلمة والجراح البالغة ولا يحسون بذلك إلا بعد انفصالهم مما هم فيه هذا وكل منهم مجتهد في الدفع عن نفسه كاره للموت أن ينزل به فكيف بمن يشتد غضبه للّه ويخرج عن نفسه إلى اللّه ويتمنى الشهادة عند اللّه ويعد ما أصابه من فضل اللّه ويشهد بقوة نور الإيمان ما أعد اللّه للشهداء والجرحى في سبيله من الفضل الجزيل شهودا محققا لا علما مجردا.

883 -كما قال أنس بن النضر في وقعة أحد: واهًا لريح الجنة إني لأجد ريحها دون أحد ثم انغمس في المشركين حتى قتل.

ومن هذا ما نقل عن امرأة فتح الموصلي أنها عثرت فطار ظفرها فضحكت، فقيل لها: يذهب ظفرك وتضحكين، فقالت: إن حلاوة الأجر أذهبت عني مرارة الألم، أو نحو هذا.

وأعجب من هذا ما حكاه ابن شبيب الحراني في كتابه جامع الفنون، عن هشام ابن الكلبي [3] ، أن حياشا [4] بن قيس القشيري لما شهد اليرموك قتل من العلوج خلقا كثيرا، وقطعت رجله يومئذ وهو لا يشعر بقطعها، فلما انفصل الحرب جعل ينشدها وفيه يقول سوار [5] بن أوفى:

ومنا ابن عتاب وناشد رجله ... ومنا الذي أدى إلى الحي حاجبا

يعني حاجب بن زرارة، وهذا شيء لم يسمع مثله، واللّه أعلم.

واعلم أن الحور العين قد يتراءين للجريح المثخن لقربه من منزل الشهادة، ومن ذلك ما حكاه الإمام العارف سيدي عبد اللّه اليافعي رحمه اللّه تعالى [6] في كتابه روض الرياحين، عن بعضهم، قال: كنت في بلاد الروم فَصَحِبَنَا

(1) تقدم تخريجه برقم: 63.

(2) في المخطوطة: مستقرا، في جميع النسخ.

(3) 883 - رواه مسلم: رقم 1903، كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد: 2/ 1513.

هو ابن محمد بن السائب الكلبي، أبو المنذر، الأخباري، النسّابة العلامة، وقال الدارقطني وغيره: متروك. انظر: ميزان الاعتدال: 4/ 304.

(4) في (م) : حبّاش.

(5) في (م) : سيار، بالياء.

(6) عبد اللّه بن أسعد بن علي بن سليمان بن فلاح اليافعي اليمني، ثم المكي، عفيف الدين، أبو السعادات وأبو عبد الرحمن، ولد قبل السبعمائة بسنتين أو ثلاث، وتوفي سنة 768. الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: 2/ 2 35 - 4 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت