فهرس الكتاب

الصفحة 303 من 321

رجع، فقال له المسلمون: الحمد للّه الذي رجعك وأراك غير رأيك الذي كنت عليه، قال: فإني واللّه ما انثنيت عما كان في نفسي، ولكني رأيت المساء وخشيت أن أهلك بمضيعة، فلما أصبح غدا إلى العدو وحده فقاتلهم حتى قتل رحمه اللّه.

قال المؤلف عفا اللّه عنه: قصة عمرو بن العاص مع هذا شبيهة بقصة سلمة بن الأكوع مع الأخرم الأسدي [1] رضي اللّه عنهما، وهو:

939 -ما رواه أحمد، ومسلم، وغيرهما عن سلمة بن الأكوع، قال: قدمنا المدينة زمن الحديبية مع رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -، فخرجت أنا ورباح - غلام [2] النبي - صلى الله عليه وسلم - بظهر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -، وخرجت بفرس لطلحة بن عبيد اللّه أريد أن أنديه [3] مع الإبل، فلما كان بغلس أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -، فقتل راعيها، وخرج يطردها هو وأناس معه في خيل، فقلت: يا رباح، اقعد على هذا الفرس فألحقه بطلحة، وأخبر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أنه قد أغر على سرحه [4] ، قال: وقمت على تل [5] ، فجعلت وجهي من قبل المدينة، ثم ناديت ثلاث مرات يا صباحاه [6] .

قال: ثم أتبعت القوم معي سيفي ونبلي، فجعلت أرميهم وأعقر بهم [7] وذلك حين بَكَرَ الشجر [8] ، فإذا رجع إلي فارس جلست له في أصل الشجرة، ثم رميت فلا يقبل علي فارس إلا عقرت به، فجعلت أرميهم وأنا أقول: أنا ابن الأكوع، اليوم يوم الرضع [9] ، قال: فألحق برجل منهم فأرميه، وهو على رحله فيقع سهمي في الرجل، حتى انْتَظَمَ [10] كَتِفَهُ، فقلت: خذها، وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع، فإذا كنت في الشجر أحرقتهم بالنبل، وإذا تضايقت الثنايا علوت الجبل فرديتهم [11] بالحجارة.

فما زال ذلك شأني وشأنهم أتبعهم وأرتجز، حتى ما خلق اللّه شيئا في ظهر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إلا خلفته وراء ظهري، فاستنقذته من أيديهم، ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا، وأكثر من ثلاثين بردة، يستخفون منها، ولا يلقون من ذلك شيئا، إلا جعلت عليه حجارة وجمعته على طريق رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -، حتى إذا اشتد الضحى أتاهم عيينة بن بدر الفزاري مددا لهم، وهم في ثنية ضيقة.

ثم علوت الجبل فأنا فوقهم، فقال عيينة: ما هذا؟ ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البَرْحَ [12] ما فارقنا بسحر حتى الآن، وأخذ كل شيء في أيدينا وجعله وراء ظهره، فقال عيينة: لولا أن هذا يرى أن وراءه طلبا لقد ترككم، ليقم إليه نفر منكم، فقام إلي نفر منهم أربعة، فصعدوا في الجبل فلما أسمعهم الصوت قلت: أتعرفوني؟ قالوا: ومن أنت؟ قلت: أنا ابن الأكوع والذي كرم وجه محمد لا يطلبني رجل منكم فيدركني، ولا أطلبه فيفوتني، فقال رجل منهم: إني [13] أظن.

قال: فما برحت مقعدي ذلك حتى نظرت إلى فوارس رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يتخللون الشجر، وإذا أولهم الأخرم الأسدي وعلى إثره أبو قتادة فارس وأنزل من الجبل فأعرض للأخرم فآخذ عنان فرسه، فقلت: يا أخرم أنذر القوم - يعني احذرهم - فإني لا آمن أن يقتطعوك فاتئد [14] حتى يلحق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، قال: يا سلمة! إن كنت تؤمن باللّه واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة.

قال: فخليت عنان فرسه فيلحق بعبد الرحمن بن عيينة، ويعطف عليه عبد الرحمن فاختلفا طعنتين فعقر الأخرم بعبد الرحمن، وطعنه عبد الرحمن فقتله، وتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم، فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن فاختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة وقتله أبو قتادة، وتحول أبو قتادة على فرس الأخرم.

ثم إني خرجت أعدو في أثر القوم حتى ما أرى من غبار صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا ويعرضون [15] قبل غيبوبة الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له: ذو قَرَد فأرادوا أن يشربوا منه، فأبصروني أعدو وراءهم، فعطفوا عنه، واشتدوا في الثنية وغربت الشمس، وألحق رجلا وأرميه، فقلت: خذها وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع، قال: فقال: يا ثكل

(1) هو محزر بن نضلة بن عبد الله، الأسدي، أبو نضلة ويعرف بالأخرم، فارس رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم.

انظر: الإصابة: 3/ 368.

(2) هو رباح، مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فكان يقوم بلقاحه، انظر: الإصابة: 1/ 502.

(3) أنديه: التندية، أن يورد الرجل الإبل والخيل، فتشرب قليلا ثم يردها إلى المرعى ساعة، ثم تعاد إلى الماء، انتهى. النهاية لابن الأثير: 5/ 37 - 38.

939 -المسند: 4/ 52 - 53. ورواه مسلم بطوله: رقم 1857، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة ذي قرد وغيرها: 3/ 1433 - 1441.

(4) لسرح، والسارح، والسارحة، سواء، ا لماشية. النهاية: 2/ 358.

(5) التل: بفتح التاء، الموضع المرتفع من الأرض، وهو الربى. انظر: مشارق الأنوار: 1/ 121.

(6) يا صباحاه: كلمة يقولها المستغبث، وأصلها إذا صاحوا للغارة، لأنهم أكثر ما كانوا يغيرون عند الصباح، ويسمون يوم الغارة، يوم الصباح، فكأن القائل: يا صباحاه يقول: قد غشينا العدو، وقيل: إن المقاتلين إذا جاء الليل يرجعون عن القتال، فإذا عاد النهار عاودوه، فكأنه يريد بقوله يا صباحاه: قد جاء وقت الصباح فتأهبوا للقتال، انتهى. النهاية: 3/ 6 - 7

(7) أي: أعقر خيلهم، انتهى. شرح النووي: 12/ 179.

(8) اتفقت النسخ بكتابة"بكر"هكذا، وفي المسند، حين يكثر الشجر.

(9) معناه: اليوم يوم هلاك اللئام، وهم الرضع، من قولهم: لئيم راضع، أي: رضع اللؤم في بطن أمه، انتهى. شرح النووي على مسلم: 12/ 174.

(10) عند أحمد: انتظمت. وانتظم الصيد: طعنه، أو رماه حتى ينفذه، وقيل: لا يقال انتظمه، حتى يجمع رميتين بسهم، أو رمح. تاج العروس: 9/ 77.

(11) في المخطوط: ردأتهم بالهمز، وهو خطأ، والمثبت من المسند، يقال: رديت فلانا بحجر أرديته رديًا، إذا رميته به. انظر: تهذيب اللغة 14/ 168، تحقيق يعقوب عبد النبي.

(12) البرح: الشدة، انتهى. النهاية: 1/ 113.

(13) في المسند: إن أظن.

(14) أي: تثبت ولا تعجل. انظر: النهاية: 1/ 178.

(15) من أعرض، أي: يذهبون. راجع المصباح: ص 402.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت