أمي [1] أكوعي بكرة [2] ؟ فقلت: نعم، أي عدو نفسه وكان الذي رميته بكرة، وأتبعته سهما آخر، فعلق به سهمان، ويخلفون فرسين فجئت أسوقهما إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهم على الماء الذي خلفتهم عليه ذو قرد، وإذا نبي اللّه - صلى الله عليه وسلم - في خمس مائة، وإذا بلال قد نحر جزورًا مما خلفت فهو يشوي لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - من كبدها وسنامها.
فأتيت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: يا رسول اللّه خلني فأنتخب من أصحابك مائة فآخذ على الكفار بالعشوة [3] فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته، قال:"أكنت فاعلا ذلك يا سلمة"؟، قال: قلت: نعم، والذي أكرمك، فضحك رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - حتى رأيت نواجذه في ضوء النار. الحديث.
وفيه: فلما أصبحنا، قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم:"خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة"، فأعطاني رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - سهم الفارس والراجل جميعا. هذا لفظ الإمام أحمد، لإسناده على شرط الصحيحين. ويأتي لفظ مسلم في المغازي إن شاء اللّه تعالى.
قال المؤلف عفا اللّه عنه: وفي هذا الحديث الصحيح الثابت أدل دليل على جواز حمل الواحد على الجمع الكثير من العدو وحده، وإن غلب على ظنه أنه يقتل، وإذا كان مخلصا في طلب الشهادة، كما فعل الأخرم الأسدي رضي اللّه عنه، ولم يعب النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك عليه. ولم ينه الصحابة عن مثل فعله، بل في الحديث دليل على استحباب هذا الفعل وفضله، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - مدح أبا قتادة وسلمة على فعلهما كما تقدم، مع أن كلأ منهما قد حمل على العدو وحده، ولم يتأن إلى أن يلحق به المسلمون، واللّه أعلم.
وفيه: إن للإمام وغيره ممن له على الحامل دالة المحبة أن يمنعه شفقة عليه، وله أن يطلقه إذا علم منه صدق القصد وتصميم العزم وإخلاص النية في طلب الشهادة كما فعل سلمة بن الأكوع مع الأخرم الأسدي، ولم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - منعه ولا إطلاقه، وكما فعل عمرو بن العاص رضي اللّه عنه في الحديث المتقدم [4] .
وفي طلب سلمة انتخاب مائة من الصحابة ليلقى بهم الكفار دليل واضح على أن الكفار كانوا جميعا كثيرا وإلا لم يستدع الحال أن يتوجه إليهم مائة من الصحابة منتخبين، ولم أر من ذكر هذا الحديث في هذا الباب وهو أوضح من كل دليل واضح، واللّه أعلم، وسيأتي شرح غريبه في الغزوات إن شاء الله تعالى.
940 -وخرج ابن عساكر بإسناده، عن عقبة بن قيس الكلابي أن رجلا قال لأبي عبيدة بن الجراح يوم اليرموك: إني قد أجمعت على أمري أن أشد عليهم فهل توصوني إلى نبيكم بشيء، فقال: تقرؤه السلام، وتخبره أنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا.
(1) أي: فقدتني أمي. شرح النووي على مسلم: 12/ 181.
(2) بكرة: منصوب غير منون، لأنها من الظروف، غير المتمكنة أي: أنت الأكوع، الذي كنت بكرة هذا النهار. انظر: شرح النووي: 12/ 181.
(3) أي: بالسواد من الليل، انتهى. النهاية: 3/ 242.
(4) تقدم برقم: 938.