فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 321

944 -وروي أن عمر رضي اللّه عنه كتب إلى عمرو بن العاص، أن افرض لمن شهد الحديبية مائتي دينار وَأَتِمَّهَا لنفسك، وأتمها لخارجة بن حذافة [1] لضيافته، ولبسر بن أرطاة لشجاعته.

945 -وأعظم من فعل بسر، ما فعله البراء بن مالك رضي اللّه عنه يوم اليمامة، فإنه احتمل في ترس على الرماج وألقوه على العدو، فقاتل وحده، وقتل منهم عشرة وفتح الباب، وجرح يومئذ بضا وثمانين جرحا، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة رضي اللّه عنهم، روى هذا البيهقي في السنن، وابن الأثير، وغيرهما.

946 -وخرج ابن عساكر - أيضا - بإسناده، عن محمد بن عائذ [2] ، قال: قال الوليد [3] : أخبرني شيخ من أهل حمص أنه أدرك بها شيخا روميا من فرسان الروم الذين كانوا بحمص أعور، قال: فقيل له سله عن سبب عوره فقال: إن المسلمين لما ساروا إلى حمص نزلوا بحيرة قدس على فلأس الأُرُند [4] فبعثني بطريق [5] حمص في ثلاثين من فرسانه، وأمرنا أن نستبطن نهر الأرند حتى ندنو من عسكر المسلمين، فنأتيه بأخيذ [6] أوخبر، قال: فخرجنا فاستبطنا بطن الوادي فلما دنونا من العسكر إذا رجل من جيزة [7] النهر الأخرى، منقعا فرسه في النهر ورمحه إلى جانبه فلما رآنا وضع سرجه، على فرسه وركب، وتناول رمحه فظننا أنه قد ذعر منا [8] وأراد أن يبدرنا إلى العسكر.

قال: فرمى بها في جريه الماء فجعلنا نتعجب من جرأته على النهر وعلينا فخرجت به فرسه من النهر، وانتفضت به، فلما انتهى إلى الجرف [9] الذي يلينا أرادها على الوثوب به فلم يتهيأ لها، فقام على سرجه ووضع الرمح فاتكأ عليه، ووثب، فإذا هو قد علا الجرف وصاج بها فإذا هي معه، فوثب عليها، ثم أقبل إلينا فالتف بعضنا إلى بعض فشد علينا ففرق بيننا، وخلا برجل فدق ظهره، والتف بعضنا إلى بعض وشد علينا ففرق بيننا وخلا برجل فقتله؟ ففعل ذلك مرارا.

فلما رأينا ذلك ولينا منهزمين إلى المدينة، فأتبعنا فكلما لحق رجلا قتله حتى لم يبق منهم غيري، ودنا من باب حمص، وقد رأى من كان على برج الباب ما كان يصنع، فأخرجوا فوارس إلينا، فلما رأيت الفوارس ظننت أنه قد هابهم وانصرف فالتفت لأعرف ما صنع، فإذا سنان رمحه في عيني، والتفت به الفرسان فقتلته، فأقبل جماعة من المسلمين في طلبه فانتهوا إليه صريعا، ودخلنا المدينة، فأسمعهم يقولون، مسحل مسحل [10] فدفنوه في طائفة من دير، فبها سمي ما هناك: دير مسحل.

947 -وعن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: بعث رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي رافع اليهودي عبد الله بن عتيك [11] ، وعبد الله بن عتبة [12] في ناس معهم [13] ، فانطلقوا حتى دنوا من الحصن، فقال لهم عبد الله بن عتيك: امكثوا حتى أنطلق أنا فأنظر، قال: فتلطفت أن أدخل الحصن، ففقدوا حمارا لهم فخرجوا بقبس يطلبونه، قال فخشيت أن أعرف قال: فغطيت رأسي وجلست كأني أقضي حاجة، ثم نادى صاحب الباب، من أراد أن يدخل فليدخل قبل أن أغلقه، فدخلت ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن، فتعشوا عند أبي رافع وتحدثوا حتى ذهب ساعة من الليل ثم رجعوا إلى بيوتهم فلما هدأت الأصوات، ولا أسمع جولة [14] خرجت. قال: ورأيت صاحب الباب حيث وضع مفتاح الحصن في كوة، فأخذته ثم فتحت باب الحصن، قال: قلت: إن نذر بي [15] القوم، انطلقت على مهل، ثم عدت [16] إلى أبواب بيوتهم، فغلقتها عليهم من ظاهر، ثم صدت إلى أبي رافع في سلم، فإذا البيت مظلم قد طفئ سراجه، فلم أدر أين الرجل؟ فقلت: يا أبا رافع، قال: من هذا؟ قال: فعمدت نحو الصوت فأضربه وصاح فلم تغن شيئا، قال: ثم جئت كأني أغيثه، فقلت: مالك يا أبا رافع؟ وغيرت صوتي، وقال: ألا أعجبك لأمك الويل! دخل علي رجل، فضربني بالسيف، فعمدت له أيضا فأضربه أخرى فلم تغن شيئا فصاح وقام أهله، قال: ثم جئت وغيرت صوتي كهيئة المغيث، وإذا هو مستلق على ظهره، فأضع السيف في بطنه، ثم انكفئ عليه حتى سمعت صوت العظم ثم خرجت دهشا، حتى أتيت السلم أريد أن أنزل فأسقط منه، فانخلعت رجلي فعصبتها ثم أتيت أصحابي

(1) خارجة بن حذافة بن غانم، القرشي، العدوي، صحابي، سكن مصر، قتله الخارجي، سنة أربعين، د ت ق. التقريب: ص 87.

945 -السنن الكبرى، كتاب السير، باب التبرع بالتعرض للقتل: 9/ 44.

-أسد الغابة: 1/ 206، طبعة الشعب.

(2) محمد بن عايذ، بتحتانية، الدمشقي، أبو أحمد، صاحب المغازي، صدوق رمي بالقدر، من العاشرة، مات سنة ثلاث وثلاثين، د س. التقريب: ص 303.

(3) هو الوليد بن مسلم، تقدم.

(4) الأرند: بضمتين، وسكون النون، ودال مهملة، اسم لنهر أنطاكية، وهو نهر الرستن المعروف بالعاصي، يقال له في أوله: الميماس، وإذا مر بحماة، قيل له: العاصي، فإذا انتهى إلى أنطاكية، قيل له: الأرند، وله أسماء أخر، في مواضع أخر. انظر: معجم البلدان: 1/ 162.

(5) البطريق بالكسر من الروم: كالقائد من العرب. انظر: المصباح: ص 51.

(6) الأخيذ: الأسير. انظر المصباح: ص 7.

(7) الحيزة: الناحية من كل شيء، انتهى. المصباح: ص 116.

(8) الذعر: بالضم الفزع. انظر: المصباح: ص 208.

(9) الجرف: بضم الراء، وبالسكون للتخفيف: ما جرفته السيول وأكلته من الأرض، انتهى. المصباح: ص 97.

(10) المسحل: الشجاع الذي يعمل وحده، انتهى. تهذيب اللغة: 4/ 306، الأستاذ عبد الكريم الغزباوي.

947 -فتح الباري: رقم 4040، كتاب المغازي، باب قتل أبي رافع، 7/ 341 - 342؛ ورواه بنحوه: برقم 3022، كتاب الجهاد، باب قتل النائم المشرك: 6/ 155.

(11) عبد اللّه بن عتيك بن قيس، الأنصاري، شهد أحدًا وما بعدها، واستشهد باليمامة ا نظر: الإصابة: 2/ 341.

(12) عبد الله بن عتبة الأنصاري، قال الحافظ: لم يذكر إلا في هذا الطريق، انتهى. فتح الباري: 7/ 343؛ وانظر الإصابة: 2/ 340.

(13) وهم مسعود بن سنان، وعبد اللّه بن أنس، وأبو قتادة وخزاعي بن أسود، انظر: فتح ا لباري: 7/ 343.

(14) في البخاري: حركة.

(15) نذر بكسر الذال المعجمة، أي: علم، وأصله من الإنذار وهو الإعلام بالشيء الذي يحذر منه. انظر: فتح الباري: 7/ 344.

(16) في البخاري: عمدت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت