ويحتمل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما شبه الجهاد بذروة السنام لأن من تسور ذروة السنام فقد حكم على جميع أجزاء البعير، كذلك من رزقه الله الجهاد فقد أناله جميع ما في الإسلام من أجزاء الفضل، لأن نوم المجاهد أجر، وسفره أجر، ونفقته أجر، ونصبه أجر، وخوفه أجر، وظمأه أجر، وجوعه أجر، وحركاته كلها أجر، إلى غير ذلك، واللّه سبحانه أعلم.
فصل في أن المجاهد في ضمان الله وكفالله وعونه وهدايته من حين يخرج من بيته حتى يعود إليه أو يقتل فيدخل الجنة
قال اللّه تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن اللّه لمع المحسنين} [1] .
قال سفيان بن عيينة إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن اللّه يقول: {لنهدينهم} [2] .
136 -وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم:"تكفل اللّه لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق بكلماته أن يدخله الجنة أو يرده إلى مسكنه بما نال من أجر أو غنيمة". الحديث. رواه البخاري والنسائي.
137 -ورواه مسلم بنحوه.
138 -وفي رواية للنسائي، سمعت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يقول:"انتدب اللّه [3] لمن يخرج في سبيله لا يخرجه إلا الإيمان (بي) [4] والجهاد في سبيلي أنه علي ضامن حتى أدخله الجنة بأي ما كان [5] بقتل أو وفاة أو أرده إلى مسكنه الذي خرج منه [6] مع أجر أو غنيمة". قوله: تكفل اللّه وفي بعض روايات مسلم تضمن اللّه، قال النووي: ومعناها أوجب اللّه تعالى له الجنة بفضله وكرمه، انتهى [7] .
قال الإمام تقي الدين ابن دقيق العيد رحمه اللّه في شرح العمدة: الضمان والكفالة ههنا عبارة عن تحقيق هذا الموعود من اللّه سبحانه وتعالى فإن الضمان والكفالة مُؤَكِّدَان لما يضمن ويتكفل به وتحقيق ذلك من لوازمها، انتهى [8] .
وقوله:"ضامن"، أي: مضمون كما قيل في ماء دافق وعيشة راضية، أي: مدفوق ومرضية.
139 -وقد خرج ابن ماجه وابن عساكر، عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال:"المجاهد في سبيل اللّه مضمون على اللّه أن يكفته [9] إلى مغفرته ورحمته إما أن يرجعه بأجر وغنيمة".
140 -وخرّج ابن عساكر بإسناده، عن أبي مالك الأشعري رضي اللّه عنه [10] ، قال: سمعت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -، يقول:"من انتدب خارجا في سبيل اللّه ابتغاء وجه اللّه وتصديق موعده وإيمانا برسله، فإنه على اللّه ضامن فإما أن يتوفاه في الجيش في أي حتف شاء فيدخله الجنة وإما أن يسيح [11] في ضمان اللّه وإن طالت غيبته حتى يرده سالما مع ما نال من أجر أو غنيمة".
قوله:"من أجر أو غنيمة". قد يتوهم متوهم من هذا أن الأجر لا يجتمع مع الغنيمة، وليس كذلك بل المعنى أن اللّه تعالى يرده بأجر كامل إن لم تحصل غنيمة أو بأجر ما وغنيمة، ومما يدل على أن الأجر يحصل مع الغنيمة قوله - صلى الله عليه وسلم:
141 -"ما من غازية أو سرية يسلمون أو يغنمون إلا تعجلوا ثلثي أجرهم"و"أو"في حديث أبي مالك وأبي هريرة وغيرهما بمعنى الواو كما جاء ذلك في حديث أبي سعيد المتقدم [12] ، وكما سيأتي في الباب السادس من حديث أبي هريرة في بعض روايات الصحيحين وأبي داود وغيره [13] .
(1) سورة العنكبوت: آية 69.
(2) ذكره البغوي في تفسيره معالم التنزيل:5/ 200، المطبوع بهامش الخازن ط الثانية، مصطفى البابي الحلبي.
136 -متفق عليه: رواه البخاري بلفظ المؤلف، الفتح: رقم 63 4، كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: {لو كان البحر مدادا الكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفدكلمات ربي ولو جئنا ممثله مددًا} : 13/ 444.
ومع اختلاف يسير برقم: 3123 في كتاب فرض الخمس، باب قول - صلى الله عليه وسلم:"أحلت لي الغنائم": 6/ 220، وبرقم 7357، كتاب التوحيد، باب قول اللّه تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} : 13/ 441.
-ومسلم: 1876، كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد، والخروج في سبيل الله: 3/ 1496.
-والنسائي، كتاب الجهاد، باب ما تكفل الله عز وجل لمن يجاهد في سبيله: 16/ 6.
137 -مسلم برقم 876 1، كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل اللّه: 3/ 1495. 38
138 -كتاب الجهاد، باب ما تكفل اللّه عز وجل لمن يجاهد في سبيله: 6/ 16، ورجاله رجال الشيخين.
(3) انتدب اللّه، أي: أجابه إلى غفرانه، انتهى. النهاية:5/ 34.
(4) ما بين القوسين زيادة من النسائي.
(5) في النسائي:"بأيهما كان إما بقتل".
(6) في النسائي:"نال ما نال من أجر أو غنيمة".
(7) انظر المنهاج شرح صحيح مسلم للنووي: 13/ 20.
(8) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام مع حاشيته العمدة: 4/ 506، تعليق الشيخ علي الهندي، ط السلفية.
139 -سنن ابن ماجه: رقم 4 275، كتاب الجهاد، باب فضل الجهاد في سبيل اللّه: 2/ 920، وفيه عطية بن سعيد العوفي رواه بالعنعنة. وقال الحافظ عنه في التقريب: صدوق يخطئ كثيرا، وكان شيعيا ومدلسا، انتهى.
(9) وكل من ضمته إلى شيء فقد كفته. انظر: النهاية في غريب الحديث: 4/ 184.
(10) أبو مالك الأشعري قيل: اسمه عبيد، وقيل: عبد اللّه، وقيل: عمرو، وقيل: كعب بن كعب، وقيل: عامر بن الحارث، صحاب، مات في طاعون عمواس سنة ثماتي عشرة، خت م د س ق، تقريب التهذيب: ص 424.
(11) ساح في الأرض يسيح سياحة، إذا ذهب فيها. نهاية ابن الأثير: 2/ 432.
141 -رواه مسلم من حديث عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما: رقم 1916، كتاب الإمارة، باب بيان ثواب من غزا فغنم ومن لم يغنم: 3/ 1515، بنحوه.
(12) تقدم برقم: 939.
(13) يأتي برقم: 242.