وجواب الشرط في قوله - تعالى -: إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي محذوف لدلالة ما قبله عليه أي: إن كنتم - أيها المؤمنون - قد خرجتم من مكة من أجل الجهاد في سبيلي، ومن أجل طلب مرضاتي، فاتركوا اتخاذ عدوى وعدوكم أولياء، واتركوا مودتهم ومصافاتهم.
فالمقصود من الجملة الكريمة، زيادة التهييج للمؤمنين، حتى لا يبقى في قلوبهم أي شيء من المودة نحو الكافرين.
وقوله - سبحانه -: تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ بدل من قوله - تعالى -: قبل ذلك:
تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ. بدل بعض من كل. لأن إلقاء المودة أعم من أن تكون في السر أو في العلن.
ويصح أن يكون بدل اشتمال، لأن الإسرار إليهم بالمودة، مما اشتمل عليه إلقاء المودة إليهم.
وهذه الجملة جيء بها على سبيل العتاب والتعجيب ممن في قلبه مودة لهؤلاء الكافرين، بعد أن بين الله - تعالى - له، ما يوجب قطع كل صلة بهم.
ومفعول تُسِرُّونَ محذوف. أي: ترسلون إليهم أخبار المسلمين سرا، بسبب مودتكم لهم؟ وجملة: وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ هي مناط التعجيب ممن يتخذ هؤلاء الأعداء أولياء. أو من يسر إليهم بالمودة، وهي حالية من فاعل تُلْقُونَ وتُسِرُّونَ.
أي: تفعلون ما تفعلون من إلقاء المودة إلى عدوى وعدوكم، ومن إسراركم بها إليهم والحال أنى أعلم منهم ومنكم بما أخفيتموه في قلوبكم، وما أعلنتموه، ومخبر رسولنا صلى الله عليه وسلم بذلك.
وما دام الأمر كذلك فكيف أباح بعضكم لنفسه، أن يطلع عدوى وعدوكم على ما لا يجوز اطلاعه عليه؟! قال الآلوسي: قوله: وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ في موضع الحال وأَعْلَمُ أفعل تفضيل. والمفضل عليه محذوف. أي: منكم ... وما موصولة أو مصدرية، وذكر ما أَعْلَنْتُمْ مع الاستغناء عنه، للإشارة إلى تساوى العلمين في علمه - عز وجل - .
ولذا قدم بِما أَخْفَيْتُمْ. وفي هذه الحال إشارة إلى أنه لا طائل لهم في إسرار المودة إليهم كأنه قيل: تسرون إليهم بالمودة والحال أنى أعلم ما أخفيتم وما أعلنتم، ومطلع رسولي على ما تسرون، فأى فائدة وجدوى لكم في الإسرار؟.