إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ أي العادلين في أقوالهم وأفعالهم وأحكامهم، الذين ينصفون الناس، ويعطونهم العدل من أنفسهم، ويحسنون إلى من أحسن إليهم.
إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ - تعالى - عَنِ بر وصلة الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ أي قاتلوكم لأجل أنكم على غير دينهم وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ التي تسكنونها وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ.
أي: وعاونوا غيرهم على إخراجكم من دياركم، يقال: ظاهر فلان فلانا على كذا، إذا عاونه في الوصول إلى مطلبه.
وقوله: أَنْ تَوَلَّوْهُمْ بدل اشتمال عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ أي: ينهاكم - سبحانه - عن موالاة، ومواصلة، وبر الذين قاتلوكم في الدين، وأخرجوكم من دياركم.
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ أي: ومن يبر منكم - أيها المؤمنون - هؤلاء الذين قاتلوكم فَأُولئِكَ الذين يفعلون ذلك هُمُ الظَّالِمُونَ لأنفسهم ظلما شديدا يستحقون بسببه العقاب الذي لا يعلمه إلا هو - سبحانه - .
فأنت ترى أن الآية الأولى قد رخصت لنا في البر والصلة - قولا وفعلا - للكفار الذين لم يقاتلونا لأجل ديننا، ولم يحاولوا الإساءة إلينا، بينما الآية الثانية قد نهتنا عن البر أو الصلة
لأولئك الكافرين، الذين قاتلونا من أجل مخالفتنا لهم في العقيدة، وحاولوا إخراجنا من ديارنا أو أخرجوا بعضنا بالفعل - وعاونوا غيرهم على إنزال الأذى بنا.
هذا، ويرى بعض العلماء أن الآية الأولى منسوخة.
قال القرطبي: قال ابن زيد: كان هذا في أول الإسلام عند الموادعة، وترك الأمر بالقتال، ثم نسخ هذا الحكم.
قال قتادة: نسخها قوله - تعالى - فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ.
والذي عليه المحققون من العلماء، أن الآية محكمة وليست منسوخة، لأنها تقرر حكما يتفق مع شريعة الإسلام في كل زمان ومكان، وهو أننا لا نؤذى إلا من آذانا، ولا نقاتل إلا من أظهر العداوة لنا بأية صورة من الصور.
وأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله تؤيد عدم النسخ، فقد كان صلى الله عليه وسلم يستقبل الوفود التي تأتيه لمناقشتها في بعض الأمور الدينية، مقابلة كريمة، ويتجلى ذلك فيما فعله مع وفد نجران، ووفد تميم وغيرهما.