فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 967

والشيطان وَسْواس خَنَّاس، إذا ذكر العبد ربه خنس، فإذا غفل عن ذكره وسوس؛ فلهذا كان ترك ذكر الله سببًا ومبدأ لنزول الاعتقاد الباطل والإرادة الفاسدة في القلب، ومِنْ ذكر الله تعالى تلاوة كتابه وفهمه، ومذاكرة العلم، كما قال معاذ بن جبل: ومذاكرته تسبيح .

وقد تنازع أهل الكلام في حصول العلم في القلب عقب النظر في الدليل، فقال بعضهم: ذلك على سبيل التولد .

وقال المنكرون للتولد: بل ذلك بفعل الله تعالى .

والنظر إما متضمن للعلم وإما موجب له، وهذا ينصره المنتسبون للسنة من المتكلمين ومن وافقهم من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وقالت المتفلسفة: بل ذلك يحصل بطريق الفيض من العقل الفعال عند استعداد النفس لقبول الفيض .

وقد يزعمون أن العقل الفعال هو جبريل .

فأما قول القائلين: إن ذلك بفعل الله، فهو صحيح؛ بناء على أن الله هو معلم كل علم وخالق كل شيء، لكن هذا كلام مجمل ليس فيه بيان لنفس السبب الخاص، وأما قول القائلين بالتولد، فبعضه حق وبعضه باطل، فإن كان دعواهم أن العلم المتولد هو حاصل بمجرد قدرة العبد، فذلك باطل قطعًا، ولكن هو حاصل بأمرين: قدرة العبد، والسبب الآخر، كالقوة التي في السهم والقبول الذي في المحل، ولا ريب أن النظر هو بسبب، ولكن الشأن فيما به يتم حصول العلم .

وأما زعم المتفلسفة أنه بالعقل الفعال، فمن الخرافات التي لا دليل عليها، وأبطل من ذلك زعمهم أن ذلك هو جبريل، وزعمهم أن كل ما يحصل في عالم العناصر من الصور الجسمانية وكمالاتها، فهو من فيضه وبسببه، فهو من أبطل الباطل .

ولكن إضافتهم ذلك إلى أمور روحانية صحيح في الجملة؛ فإن الله سبحانه وتعالى يدبر أمر السموات والأرض بملائكته التي هي السفراء في أمره، ولفظ الملك يدل على ذلك، وبذلك أخبرت الأنبياء، وقد شهد الكتاب والسنة من ذلك بما لا يتسع هذا الموضع لذكره، كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في ملائكة تخليق الجنين وغيره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت