ابن تيمية
السؤال: فصل في أنه يجب الرجوع في أصول الدين إلى الكتاب والسنة
الإجابة:
وهذا الذي ذكرته من أنه يجب الرجوع في أصول الدين إلى الكتاب والسنة، كما بينته من أن الكتاب بَيّنَ الأدلة العقلية التي بها تعرف المطالب الإلهية، وبَيَّن ما يدل على صدق الرسول في كل ما يقوله هو يظهر الحق بأدلته السمعية والعقلية .
وبَيَّن أن لفظ [ العقل والسمع ] قد صار لفظًا مجملا .
فكل من وضع شيئًا برأيه سماه [ عقليات ] ، والآخر يبين خطأه فيما قاله ويدعي العقل أيضًا، ويذكر أشياء أُخر تكون أيضًا خطأ، كما قد بسط في مواضع .
وهو نظير من يحتج في السمع بأحاديث ضعيفة أو موضوعة، أو نصوص ثابتة لكن لا تدل على مطلوبه .
وكثير من أهل الكلام يجعل دلالة القرآن والأحاديث من جهة الخبر المجرد .
ومعلوم أن ذلك لا يوجب العلم إلا بعد العلم بصدق المخبر .
فلهذا يضطرون إلى أن يجعلوا العلوم العقلية أصلا، كما يفعل أبو المعالى، وأبو حامد، والرازي، وغيرهم .
وأئمة المتكلمين يعترفون بأن القرآن بَيَّن الأدلة العقلية، كما يذكر ذلك الأشعري وغيره، وعبد الجبار بن أحمد وغيره من المعتزلة .
ثم هؤلاء قد يذكرون أدلة يجعلونها أدلة القرآن ولا تكون هي إياها، كما فعل الأشعري في [ اللمع ] وغيره، حيث احتج بخلق الإنسان، وذكر قوله: { أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} [ الواقعة: 58-59 ] ، لكن هو يظن أن النطفة فيها جواهر باقية، وأن نقلها في الأعراض يدل على حدوثها، فاستدل على حدوث جواهر النطفة .
وليست هذه طريقة القرآن،ولا جمهور العقلاء،بل يعرفون أن النطفة حادثة بعد أن لم تكن، مستحيلة عن دم الإنسان، وهي مستحيلة إلى المضغة،وأن اللّه يخلق هذا الجوهر الثاني من المادة الأولي بالاستحالة ويعدم المادة الأولي لا تبقي جواهرها بأعيانها دائمًا، كما تقدم .