ابن تيمية
السؤال: فصل في الجمع بين [ علو الرب عز وجل وبين قربه ] من داعية وعابديه
الإجابة: قد وصف اللّه نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله بالعلو والاستواء على العرش، والفوقية في كتابه في آيات كثيرة، حتى قال بعض كبار أصحاب الشافعي: في القرآن ألف دليل أو أزيد، تدل على أن اللّه عالٍ على الخلق، وأنه فوق عباده .
وقال غيره: فيه ثلاثمائة دليل تدل على ذلك، مثل قوله: { إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ } [ الأعراف: 206 ] ، { وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ } [ الأنبياء: 19 ] ، فلو كان المراد بأن معنى [ عنده ] في قدرته كما يقول الجهمية لكان الخلق كلهم في قدرته ومشيئته، لم يكن فرق بين من في السموات، ومن في الأرض، ومن عنده، كما أن الاستواء لو كان المراد به الاستيلاء لكان مستويًا على جميع المخلوقات، ولكان مستويًا على العرش قبل أن يخلقه دائمًا .
والاستواء مختص بالعرش بعد خلق السموات والأرض، كما أخبر بذلك في كتابه، فدل على أنه تارة كان مستويًا عليه، وتارة لم يكن مستويًا عليه؛ ولهذا كان العلو من الصفات المعلومة بالسمع مع العقل عند أئمة المثبتة، وأما الاستواء على العرش فمن الصفات المعلومة بالسمع، لا بالعقل .
والمقصود أنه تعالى وصف نفسه أيضًا بالمعية والقرب .
والمعية معيتان: عامة، وخاصة .
فالأولى: كقوله: { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ } [ الحديد: 4 ] ، والثانية: كقوله: { إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ } [ النحل: 128 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
وأما القرب فهو كقوله: { فَإِنِّي قَرِيبٌ } [ البقرة: 186 ] ، وقوله: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق: 16 ] ، { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ } [ الواقعة: 85 ] .