فصل في وقوع البدع في أواخر خلافة الخلفاء الراشدين
ابن تيمية
السؤال: فصل في وقوع البدع في أواخر خلافة الخلفاء الراشدين
الإجابة: فَصل:
واعلم أن عامة البدع المتعلقة بالعلوم والعبادات في هذا القدر وغيره، إنما وقع في الأمة في أواخر خلافة الخلفاء الراشدين، كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال"من يعش منكم بعدي فسيري اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي".
ومعلوم أنه إذا استقام ولاة الأمور الذين يحكمون في النفوس والأموال استقام عامة الناس، كما قال أبو بكر الصديق فيما رواه البخاري في صحيحه للمرأة الأحمسية لما سألته فقالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح ؟ قال: ما استقامت لكم أئمتكم، وفي الأثر: صنفان إذا صلحوا صلح الناس: العلماء والأمراء أهل الكتاب وأهل الحديد، كما دل عليه قوله: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا } الآية [ الحديد: 25 ] .
وهم أولو الأمر، في قوله: { أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } [ النساء: 59 ] .
وكذلك من جهتهم يقع الفساد، كما جاء في الحديث مرفوعًا، وعن جماعة من الصحابة"إن أخوف ما أخاف عليكم: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون".
فالأئمة المضلون هم الأمراء، والعالم والمجادل هم العلماء، لكن أحدهما صحيح الاعتقاد يزل، وهو العالم، كما يقع من أئمة الفقهاء أهل السنة والجماعة .
والثاني، كالمتفلسفة والمتكلمين الذين يجادلون بشبهات القرآن مع أنهم في الحقيقة منسلخون من آيات اللّه، وإنما احتجاجهم به دفعًا للخصم، لا اهتداء به واعتمادًا عليه؛ ولهذا قال"جدال منافق بالقرآن"فإن السنة والإجماع تدفع شبهته .
والدين القائم بالقلب من الإيمان علمًا وحالًا هو الأصل، والأعمال الظاهرة هي الفروع، وهي كمال الإيمان .