فالدين أول ما يبنى من أصوله ويكمل بفروعه، كما أنزل اللّه بمكة أصوله من التوحيد والأمثال التي هي المقاييس العقلية، والقصص، والوعد، والوعيد، ثم أنزل بالمدينة لما صار له قوة فروعه الظاهرة من الجمعة والجماعة، والأذان والإقامة، والجهاد، والصيام، وتحريم الخمر والزنا، والميسر وغير ذلك من واجباته ومحرماته .
فأصوله تمد فروعه وتثبتها، وفروعه تكمل أصوله وتحفظها، فإذا وقع فيه نقص ظاهر فإنما يقع ابتداء من جهة فروعه؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم"أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة"،، وروى عنه أنه قال"أول ما يرفع الحكم بالأمانة".
والحكم هو عمل الأمراء، وولاة الأمور، كما قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } [ النساء: 58 ] ، وأما الصلاة فهي أول فرض، وهي من أصول الدين والإيمان، مقرونة بالشهادتين، فلا تذهب إلا في الآخر، كما قال صلى الله عليه وسلم"بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبي للغرباء"فأخبر أن عوده كبدئه .
فلما ذهبت دولة الخلفاء الراشدين، وصار ملكًا ظهر النقص في الأمراء، فلابد أن يظهر أيضًا في أهل العلم والدين، فحدث في آخر خلافة علي بدعتا الخوارج والرافضة، إذ هي متعلقة بالإمامة والخلافة، وتوابع ذلك من الأعمال، والأحكام الشرعية .
وكان ملك معاوية ملكًا ورحمة، فلما ذهب معاوية رحمة اللّه عليه وجاءت إمارة يزيد، وجرت فيها فتنة قتل الحسين بالعراق، وفتنة أهل الحرة بالمدينة، وحصروا مكة، لما قام عبد اللّه بن الزبير .