والفريقان يمنعون أن يقوم به حكمة مرادة له، كما يمنع الفريقان أن يقوم به كلام وفعل يريده، وقول أولئك أقرب إلى قول السلف والفقهاء؛ إذ أثبتوا الحكمة والمصلحة في أحكامه وأفعاله وأثبتوا كلاما يتكلم به بقدرته ومشيئته، وقول هؤلاء أقرب إلى قول السلف؛ إذ أثبتوا الصفات، وقالوا: لا يوصف بمجرد المخلوق المنفصل عنه الذي لم يقم به أصلا، ولا يعود إليه حكم من شيء لم يقم به، فلا يكون متكلما بكلام لم يقم به، ولا يكون حكيما كريما ورحيما بحكمة ورحمة لم تقم به، كما لا يكون عليما بعلم لم يقم به، وقديرا بقدرة لم تقم به، ولا يكون محبًا راضيًا غضبانًا بحب ورضى وغضب لم يقم به .
فكل من المعتزلة والأشعرية في مسائل كلام الله وأفعال الله، بل وسائر صفاته، وافقوا السلف والأئمة من وجه، وخالفوهم من وجه، وليس قول أحدهما هو قول السلف دون الآخر، لكن الأشعرية في جنس مسائل الصفات، بل وسائر الصفات والقدر، أقرب إلى قول السلف والأئمة من المعتزلة .
فإن قيل: فقد قال تعالى: { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } [ الحاقة: 40، التكوير: 19 ] وهذا يدل على أن الرسول أحدث الكلام العربي . قيل: هذا باطل؛ و ذلك لأن الله ذكر هذا في القرآن في موضعين، والرسول في أحد الموضعين محمد، والرسول في الآية الأخرى جبريل .