أما زعمهم أن السماء تبكي لمقتل الحسين في هذا اليوم الذي مات فيه، فمن الدعاوى الباطلة المتهافتة؛ فإنه قد مات من هو أفضل من الحسين باتفاق الموافق والمخالف كالأنبياء ومنهم إمامهم وسيدهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ولم نر السماء تبكي كل عام لموته! فلو قيل إن هذا البكاء لأجل أن الحسين قتل شهيدًا، فالجواب: إن أباه علي بن أبي طالب وهو أعظم منه أيضا قد قتل شهيدًا ولا تبكيه السماء!
وأما ما رواه الطبري في تفسيره عند قوله تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} [الدخان: 29] ، عن السديّ قال:"لما قتل الحسين بن عليّ رضوان الله عليهما بكت السماء عليه، وبكاؤها حمرتها": فهذا ليس مُخْتَصًّا بالحسين رضي الله عنه، بل قد روى الطبري أيضًا عن مجاهد، قال:"كان يقال: تبكي الأرض على المؤمن أربعين صباحًا".
وروى عن سعيد بن جُبير، قال: أتى ابن عباس رجل، فقال:"يا أبا عباس أرأيت قول الله تبارك وتعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} ، فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟! قال: نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء منه ينزل رزقه، وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله، وينزل منه رزقه، بكى عليه; وإذا فقده مُصَلاه من الأرض التي كان يصلي فيها، ويذكر الله فيها بكت عليه، وإن قوم فرعون لم يكن لهم في الأرض آثار صالحة، ولم يكن يصعد إلى السماء منهم خير، قال: فلم تبك عليهم السماء والأرض".
فهذه الآثار تدل على حصول ذلك لكل عبد صالح مصلٍ، وكل ذاكر لله تعالى مطيع لأمره مجانب لنهيه، والحسين رضي الله عنه منهم، والله أعلم.