قال أبو محمد بن حزْم في"الإحكام"تعليقًا على هذا الحديث:"وهذا حديث في غاية الصحَّة وفيه الأمر بالمناظرة، وإيجابها كإيجاب الجهاد والنفقة في سبيل الله، وقد حضَّ الله تعالى على المجادلة بالحقِّ، وأمر بطلب البرهان؛ فقد صحَّ أنَّ طلب الحجَّة هي سبيل الله - عزَّ وجلَّ - بالنَّصِّ الذي ذكرنا، أنَّ مَن نهى عن ذلك وصدَّ عنه فهو صادٌّ عن سبيل الله تعالى بلا تأْويل؛ إلاَّ على عين النَّصِّ الوارد من قبل الله تعالى، وبالله نعتصم."
وقال تعالى: {مَا كَانَ لأَهْلِ المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ} [التوبة: 120] .
ولا غيْظ أغْيَظ على الكفَّار والمبطِلين من هتْك أقْوالِهِم بالحجَّة الصَّادعة، وقد تُهزم العساكر الكبار، والحجَّة الصَّحيحة لا تُغْلَب أبدًا، فهي أدْعى إلى الحق، وأنصر للدِّين من السِّلاح الشَّاكي والأعداد الجمَّة، وأفاضل الصَّحابة الَّذين لا نظير لهم إنَّما أسلموا بقيام البراهين على صحَّة نبوَّة محمَّد - صلَّى الله عليْه وسلَّم - عندهم، فكانوا أفضلَ مِمَّن أسلم بالغلبة، بلا خلاف من أحدٍ من المسلمين.
وأوَّل ما أمَرَ اللهُ - عزَّ وجلَّ - نبيَّه محمَّدًا - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن يدْعو له النَّاس بالحجَّة البالغة بلا قتال، فلمَّا قامت الحجَّة وعاندوا الحقَّ، أطْلق الله - تعالى - السيف حينئذٍ؛ قال تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149] .