فهرس الكتاب

الصفحة 599 من 967

قلت: هذه المسألة مثل مسألة المشيئة، وهو قولنا: يتكلم إذا شاء، فإن ما تعلقت به المشيئة تعلقت به القدرة، فإن ما شاء الله كان ولا يكون شىء إلا بقدرته، وما تعلقت به القدرة من الموجودات تعلقت به المشيئة، فإنه لا يكون شىء إلا بقدرته ومشيئته، وما جاز أن تتعلق به القدرة جاز أن تتعلق به المشيئة، وكذلك بالعكس، وما لا فلا؛ ولهذا قال: { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ البقرة: 20 ] ، والشيء في الأصل مصدر شاء يشاء شيئًا كنال ينال نيلًا، ثم وضعوا المصدر موضع المفعول فسموا المشىء شيئًا، كما يسمى المنيل نيلًا، فقالوا: نيل المعدن، وكما يسمى المقدور قدرة، والمخلوق خلقا، فقوله: { عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } أي على كل ما يشاء، فمنه ما قد شىء فوجد، ومنه ما لم يشأ لكنه شىء في العلم بمعنى أنه قابل لأن يشاء وقوله: { عَلَى كُلِّ شَيْءٍ } ، يتناول ما كان شيئًا في الخارج والعلم، أو ما كان شيئًا في العلم فقط، بخلاف مالا يجوز أن تتناوله المشيئة وهو الحق تعالى وصفاته، أو الممتنع لنفسه، فإنه غير داخل في العموم؛ ولهذا اتفق الناس على أن الممتنع لنفسه ليس بشيء، وتنازعوا في المعدوم الممكن:

فذهب فريق من أهل الكلام من المعتزلة والرافضة، وبعض من وافقهم من ضلال الصوفية، إلي أنه شىء في الخارج لتعلق الإرادة والقدرة به وهذا غلط، وإنما هو معلوم لله ومراد له إن كان مما يوجد، وليس له في نفسه لا موت ولا وجود ولا حقيقة أصلا، بل وجوده وثبوته وحصوله شىء واحد، وماهيته وحقيقته في الخارج هي نفس وجوده، وحصوله وثبوته ليس في الخارج شيئان، وإن كان العقل يميز الماهية المطلقة عن الوجود المطلق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت