وكان أهل الكتاب يصومونه، وكذلك قريش كانت تصومه في الجاهلية، وقد صامه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه، ورغب فيه في غير ما حديث.
ففي (الصحيحين) (3) عن ابن عباس، قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء. فقال:"ما هذا اليوم الذي تصومونه؟"قالوا: هذا يوم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا فنحن نصومه، فقال صلى الله عليه وسلم:"نحن أحق بموسى منكم"فصامه وأمر بصيامه.
وفي (صحيح مسلم) (4) عن أبي قتادة، أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام عاشوراء فقال:"أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله".
وفي رواية له عن ابن عباس رضي الله عنه مرفوعًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع" (5) .
والأحاديث في هذا كثيرة معروفة، وقد اختلف العلماء: هل كان صومه قبل فرض صيام شهر رمضان واجبًا أم سنة مؤكدة؟ على قولين مشهورين، وظاهر كلام أحمد أنه كان واجبًا حينئذ، وهو مذهب أبي حنيفة.
وقال الشافعي: بل كان متأكد الاستحباب. وهو قول كثير من أصحابنا الحنابلة وغيرهم.
وكان طائفة من السلف يصومون عاشوراء في السفر، منهم: ابن عباس، وأبو إسحاق السبيعي، والزهري وقال: رمضان له عدة من أيام أخر، وعاشوراء يفوت. ونص عليه الإمام أحمد.
وأما ما أشار إليه السائل من أن بعض الناس يتخذونه يوم مأتم وحزن، فهؤلاء هم الرافضة، وهذه الأفعال التي يفعلونها من بدعهم الشنيعة وأفعالهم المنكرة، فهم يظهرون فيه الحزن، ويتخذونه يوم مأتم؛ لما وقع فيه من قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما، ولا شك أن عملهم هذا عمل قبيح منكر، وضلال ما أنزل الله به من سلطان. فمصائب موت الأنبياء عليهم السلام أعظم من المصيبة بموت الحسين بن علي رضي الله عنهما، ولم يشرع اتخاذ أيام موتهم أيام حزن ومأتم.