فقال: أليس مداره على ابن عميرة، وقد قال البخاري: لا يعرف له سماع من الأحنف ؟
فقلت: قد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة؛ في كتاب التوحيد الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل موصولًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قلت والإثبات مقدم على النفي، والبخاري إنما نفي معرفة سماعه من الأحنف لم ينف معرفة الناس بهذا، فإذا عرف غيره كإمام الأئمة ابن خزيمة ما ثبت به الإسناد كانت معرفته وإثباته مقدمًا على نفي غيره وعدم معرفته .
ووافق الجماعة على ذلك، وأخذ بعض الجماعة يذكر من المدح ما لا يليق أن أحكيه، وأخذوا يناظرون في أشياء لم تكن في العقيدة ولكن لها تعلق بما أجبت به في مسائل ولها تعلق بما قد يفهمونه من العقيدة، فأحضر بعض أكابرهم كتاب الأسماء والصفات للبيهقي رحمه الله تعالى فقال: هذا فيه تأويل الوجه عن السلف، فقلت: لعلك تعني قوله تعالى: { وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ } [ البقرة: 115 ] .
فقال: نعم .
قد قال مجاهد والشافعي يعنى قبلة الله، فقلت: نعم هذا صحيح عن مجاهد والشافعي وغيرهما ، وهذا حق، وليست هذه الآية من آيات الصفات .
ومن عدها في الصفات فقد غلط كما فعل طائفة فإن سياق الكلام يدل على المراد حيث قال: { وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ } [ البقرة: 115 ] .
والمشرق والمغرب الجهات .
والوجه هو الجهة؛ يقال: أي وجه تريده ؟ أي جهة، وأنا أريد هذا الوجه أي هذه الجهة، كما قال تعالى: { وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا } [ البقرة 148 ] ولهذا قال: { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ } [ البقرة: 115 ] أي تستقبلوا وتتوجهوا والله أعلم وصلى الله على محمد .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - المجلد الثالث (العقيدة)