ومن علم حال خاصة النبي صلى الله عليه وسلم كأبي بكر وعمر وغيرهما من السابقين الأولين علم أنهم كانوا أعظم الناس تصديقًا لباطن أمر خبره وظاهره، وطاعتهم له في سرهم وعلانيتهم، ولم يكن أحد منهم يعتقد في خبره وأمره ما يناقض ظاهر ما بينه لهم ودلهم عليه، وأرشدهم إليه؛ ولهذا لم يكن في الصحابة من تأول شيئًا من نصوصه على خلاف ما دل عليه، لا فيما أخبر به اللّه عن أسمائه وصفاته، ولا فيما أخبر به عما بعد الموت، وأن ما ظهر من هذا ما ظهر إلا ممن هو عند الأمة من أهل النفاق والاتحاد، كالقرامطة والفلاسفة والجهمية نفاة حقائق الأسماء والصفات .
ومن تمام هذا أن تعلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص أحدًا من أصحابه بخطاب في علم الدين قصد كتمانه عن غيره، ولكن كان قد يسأل الرجل عن المسألة التي لا يمكن جوابها، فيجيبه بما ينفعه؛ كالأعرابي الذي سأله عن الساعة، والساعة لا يعلم متى هى .
فقال"ما أعددتَ لها ؟ فقال: ما أعددتُ لها من كثير عَمَلٍ، ولكني أحب اللّه ورسوله، فقال: المرء مع من أحب"، فأجابه بالمقصود من علمه بالساعة، ولم يكن يخاطب أصحابه بخطاب لا يفهمونه، بل كان بعضهم أكمل فهما لكلامه من بعض، كما في الصحيحين عن أبي سعيد أن رسول اللّّه صلى الله عليه وسلم قال"إن عبدًا خَيَّرَهُ اللّه بين الدنيا والآخرة، فاختار ذلك العبدُ ما عند اللّه".
فبكى أبو بكر وقال: بل نفديك بأنفسنا وأموالنا يا رسول اللّه، فجعل الناس يعجبون أن ذكر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عبدًا خيره اللّه بين الدنيا والآخرة قال: وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به، فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر عبدًا مطلقًا لم يعينه، ولا في لفظه ما يدل عليه، لكن أبو بكر لكمال معرفته بمقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم علم أنه هو ذلك العبد، فلم يخص عنهم بباطن يخالف الظاهر، بل يوافقه ولا يخالف مفهوم لفظه ومعناه .