فإن كثيرًا مما ينقل عن هؤلاء كذب عليهم، والصدق من ذلك فيه ما أصابوا فيه تارة وأخطئوا فيه أخرى، وأكثر عباراتهم الثابتة ألفاظ مجملة متشابهة، لو كانت من ألفاظ المعصوم لم تعارض الحكم المعلوم، فكيف إذا كانت من قول غير المعصوم ؟ وقد جمع أبو الفضل الفلكي [ هو علي بن الحسين الهمذاني، عرف بالفلكي، جمع الحديث وصنف كتبًا منها: المنتهى في معرفة الرجال في ألف جزء، وكان صوفيًا، توفى بنيسابور سنة سبع وعشرين وأربعمائة ] كتابًا من كلام أبي يزيد البسطامي سماه [ النور من كلام طيفور ] فيه شيء كثير لا ريب أنه كذب على أبي يزيد البسطامي، وفيه أشياء من غلط أبي يزيد رحمة اللّه عليه وفيه أشياء حسنة من كلام أبي يزيد، وكل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .
ومن قيل له عن أبي يزيد أو غيره من المشائخ: إنه قال لمريديه: إن تركتم أحدًا من أمة محمد يدخل النار فأنا منكم بريء، فعارضه الآخر وقال: قلت لمريدي: إن تركتم أحدًا من أمة محمد يدخل النار فأنا منكم بريء، فصدق هذا النقل عنه، ثم جعل هذا المصدق لهذا عن أبي يزيد أو غيره يستحسنه ويستعظم حاله، فقد دل على عظيم جهله أو نفاقه؛ فإنه إن كان قد علم ما أخبر به الرسول من دخول من يدخل النار من أهل الكبائر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم هو أول من يشفع فيهم بعد أن تطلب الشفاعة من الرسل الكبار؛ كنوح وإبراهيم، وموسى وعيسى، فيمتنعون ويعتذرون ، ثم صدق أن مريدي أبي يزيد أو غيره يمنعون أحدًا من الأمة من دخول النار، أو يخرجون هم كل من دخلها كان ذلك كفرًا منه بما أخبر به الصادق المصدوق بحكاية منقولة، كذب ناقلها، أو أخطأ قائلها، إن لم يكن تعمد الكذب، وإن كان لا يعلم ما أخبر به الرسول كان من أجهل الناس بأصول الإيمان .