فهرس الكتاب

الصفحة 782 من 967

وأهل الإثبات من المتكلمين مثل الكلابية والكرامية والأشعرية أكثر اتفاقًا وائتلافًا من المعتزلة، فإن في المعتزلة من الاختلافات وتكفير بعضهم بعضًا، حتى ليكفر التلميذ أستاذه، من جنس ما بين الخوارج، وقد ذكر من صَنَّف في فضائح المعتزلة من ذلك ما يطول وصفه، ولست تجد اتفاقًا وائتلافًا إلا بسبب إتباع آثار الأنبياء من القرآن والحديث، وما يتبع ذلك، ولا تجد افتراقًا واختلافًا إلا عند من ترك ذلك وقدم غيره عليه، قال تعالى: { وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } [ هود: 118 -119 ] ، فأخبر أن أهل الرحمة لا يختلفون وأهل الرحمة هم أتباع الأنبياء قولًا وفعلًا، وهم أهل القرآن والحديث من هذه الأمة، فمن خالفهم في شيء فاته من الرحمة بقدر ذلك .

ولهذا لما كانت الفلاسفة أبعد عن إتباع الأنبياء، كانوا أعظم اختلافًا، و الخوارج والمعتزلة والروافض لما كانوا أيضًا أبعد عن السنة والحديث، كانوا أعظم افتراقًا في هذه، لاسيما الرافضة، فإنه يقال: إنهم أعظم الطوائف اختلافًا؛ وذلك لأنهم أبعد الطوائف عن السنة والجماعة، بخلاف المعتزلة فإنهم أقرب إلى ذلك منهم .

وأبو محمد بن قتيبة في أول كتاب مختلف الحديث لما ذكر أهل الحديث وأئمتهم، وأهل الكلام وأئمتهم، قفى بذكر أئمة هؤلاء ووصف أقوالهم وأعمالهم، ووصف أئمة هؤلاء، وأقوالهم وأفعالهم بما يبين لكل أحد أن أهل الحديث هم أهل الحق والهدى، وأن غيرهم أولى بالضلال والجهل والحشو والباطل .

وأيضًا، المخالفون لأهل الحديث هم مظنة فساد الأعمال؛ إما عن سوء عقيدة ونفاق، وإما عن مرض في القلب وضعف إيمان، ففيهم من ترك الواجبات، واعتداء الحدود والاستخفاف بالحقوق وقسوة القلب، ما هو ظاهر لكل أحد، وعامة شيوخهم يرمون بالعظائم، وإن كان فيهم من هو معروف بزهد وعبادة، ففي زهد بعض العامة من أهل السنة وعبادته ما هو أرجح مما هو فيه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت