فهرس الكتاب

الصفحة 788 من 967

وإنما يفترقون فيما يثبتونه، ويكرهون فطرهم وعقولهم على قبول المحال المتناقض، فيقولون: هو في العالم، وليس هو فيه، أو هو العالم وليس إياه، أو يغلبون الإثبات فيقولون: بل هو نفس الوجود، أو النفي، فيقولون: ليس في العالم ولا خارجًا عنه، أو يدينون بالإثبات في حال وبالنفي في حال، إذا غلب على أحدهم عقله غلب النفي، وهو أنه ليس في العالم، وإذا غلب عليه الوجْد والعبادة رجح الإثبات وهو أنه في هذا الوجود أو هو هو، لا تجد جهميًا إلا على أحد هذه الوجوه الأربعة، وإن تنوعوا فيما يثبتونه كما ذكرته لك فهم مشتركون في التعطيل .

وقد رأيت منهم ومن كتبهم، وسمعت منهم وممن يخبر عنهم من ذلك ما شاء الله، وكلهم على هذه الأحوال ضالون عن معبودهم وإلههم وخالقهم .

ثم رأيت كلام السلف والأئمة كلهم يصفونهم بمثل ذلك . فمَنَّ الله علينا بإتباع سبيل المؤمنين وآمنا بالله وبرسوله، وكل هؤلاء يجد نفسه مضطربة في هذا الاعتقاد؛ لتناقضه في نفسه، وإنما يسكن بعض اضطرابه نوع تقليد لمعظم عنده، أو خوفه من مخالفة أصحابه، أو زعمه أن هذا من حكم الوهم والخيال دون العقل .

وهذا التناقض في إثبات هذا الموجود الذي ليس بخارج عن العالم ولا هو العالم، الذي ترده فطرهم وشهودهم وعقولهم، غير ما في الفطرة من الإقرار بصانع فوق العالم، فإن هذا إقرار الفطرة بالحق المعروف، وذاك إنكار الفطرة بالباطل المنكر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت