فهرس الكتاب

الصفحة 856 من 967

وهؤلاء المتأخرون مع ضلالهم وجهلهم يدعون أنهم أعلم وأعرف من سلف الأمة ومتقدميها، حتى آل الأمر بهم إلى أن جعلوا الوجود واحدًا، كما فعل ابن عربي صاحب [ الفصوص ] وأمثاله؛ فإنهم دخلوا من هذا الباب حتى خرجوا من كل عقل ودين، وهم يدعون مع ذلك أن الشيوخ المتقدمين كالجنيد بن محمد، وسهل بن عبد اللّه التستري، وإبراهيم الخواص، وغيرهم ماتوا وما عرفوا التوحيد، وينكرون على الجنيد وأمثاله إذا ميزوا بين الرب والعبد كقوله: [ التوحيد ] إفراد الحدوث عن القدم .

ولعمري إن توحيدهم الذي جعلوا فيه وجود المخلوق وجود الخالق هو من أعظم الإلحاد الذي أنكره المشايخ المهتدون، وهم عرفوا أنه باطل، فأنكروه وحذروا الناس منه، وأمروهم بالتمييز بين الرب والعبد، والخالق والمخلوق، والقديم والمحدث، وأن التوحيد أن يعلم مباينة الرب لمخلوقاته وامتيازه عنها، وأنه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته .

ثم إنهم يدعون أنهم أعلم باللّه من المرسلين، وأن الرسل إنما تستفيد معرفة اللّه من مشكاتهم، ويفسرون القرآن بما يوافق باطنهم الباطل،كقوله: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ } [ نوح: 25 ] فهي التي خطت بهم فغرقوا في بحار العلم باللّه، وقولهم: إن العذاب مشتق من العذوبة، ويقولون: إن كلام نوح في حق قومه ثناء عليهم بلسان الذم، ويفسرون قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [ البقرة: 6 ] بعلم الظاهر، بل {خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ } فلا يعلمون غيره { وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ } [ البقرة: 7 ] فلا يسمعون من غيره ولا يرون غيره، فإنه لا غير له فلا يرون غيره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت