وما لا ترى مما يقي الله أكثر
وطلب صدر البيت فلم يوجد إلا في حفظ الزجالي، فأنشد:
ترى الشيء ممّا يتّقى فتهابه
وكان يكتب عن الأمير، وتشاركه فيه وزراؤه على العادة، فأنف من ذلك، وكتب إليه كتابا، منه: إن من وسم بمسيم كتابته ـ أعزه الله ـ وشرّف باسمها لجدير أن يعتلي عن كتابة وزرائه، ويزدهي بحصانة أسراره. فأفرده لكتابته، فجرت عادة. وحفظ قصيدة من سمعه. ثم استوزره محمد بن عبد الرحمن. وله في رسالة يشكو بها نصرا الخصيّ إلى عبد الرحمن: قد علم ما خصّني به دون نظرائي من المنزلة الرفيعة التي أصبحت علما من أجلها محسودا، مرميّا بالحدق، تسلقني الألسن وتجول فيّ الأفكار، وعندما استوى بناؤها، وقام عمودها، واسترخت أطنابها، سعى في هدمها من لا أزال أؤثّل شرف ذكره، وأجلّ رفيع قدره.
237 ـ ابنه حامد (1)
سلك مسلكه وارتقى إلى الكتابة عن سلطان الأندلس محمد بن عبد الرحمن ووزارته، وكان أهلا لذلك لبلاغته، وحسن معرفته. وأثنى عليه ابن حيان، خلا أنه كان يوصف بالبخل، قال: وقيل لمؤمن بن سعيد الشاعر: ما بالك لا تسامر الوزير حامدا حسبما نراك تفعله مع الوزراء من أصحابه مع قديم اتّصالك به؟ فقال: ذاك جنازة غريب لا يصحبها من صحبها إلا لله. ونمت كلمته إلى حامد، فحقدها، وشيّعه مؤمن بعد أيام في خروجه من قصر السلطان إلى الدار، وهو لا ينكر منه شيئا مما كان يعرفه، فلما أراد مؤمن الانصراف، قال له حامد: أعظم الله أجرك أبا مروان، وكتب خطاك! كما يدعى لمشيّع الموتى. وغلط أمامه ليلة في بعض قراءته في التراويح، فقال مكان (والزاني والزانية فاجلدوا كلّ واحد منهما) ـ فانكحوهما ـ فقال حامد (2) : [مجزوء الرمل]
أبدع القارئ معنى ... لم يكن في الثّقلين ...
أمر الناس جميعا ... بنكاح الزّانيين
(1) انظر ترجمته في نفح الطيب (ج 5 / ص 86) .
(2) البيتان في نفح الطيب (ج 5 / ص 86) دون تغيير عمّا هنا.