العرب استخلفته على لسانها، أو الأيام ولّته زمام حدثانها.
وأثنى على سلفه، ووصفه بمعاقرة الرّاح، وأنشد له (1) : [الطويل]
خليليّ إني قد طربت إلى الكاس ... وتقت إلى شمّ البنفسج والآس ...
فقوما معي نلهو ونستمع الغنا ... ونسرق هذا اليوم سرّا من الناس
ومن القلائد: عالم الأوان ومصنّفه، ومقرّط البيان ومشنفه، بتواليف كأنها الخرائد، وتصانيف أبهى من القلائد، حلّى بها من الزمان عاطلا، وأرسل بها غمام الإحسان هاطلا، ووضعها في فنون مختلفة وأنواع، وأقطعها ما شاء من إتقان وإبداع. وأما الأدب فهو كان منتهاه، ومحلّ سهاه، وقطب مداره، وفلك تمامه وإبداره، وكان كلّ ملك من ملوك الأندلس يتهاداه تهادي المقل للكرى، والآذان للبشرى. وأنشد له في خطّ ابن مقلة: [البسيط]
خطّ ابن مقلة من أرعاه مقلته ... ودّت جوارحه لو بدّلت مقلا
ومن رسالة: وله المنّة في ظلام كان ـ أعزه الله ـ صبحه، ومستبهم غدا شرحه.
250 ـ أبو الحسن حكم بن محمد غلام أبي عبيد البكري (2)
من الذخيرة: أبو الحسن في وقتنا بحر من بحور الكلام، قذف بدرّ النظام، فقلّده أعناق الأيام، أحسن من أطواق الحمام. وذكر: أنه من شعراء الدولة العبّاديّة، وزهد بعدها في الشعر.
وهذا مولى البكرين. وأنشد له ما يبين الغرض منه فيما اخترته منه.
من كتاب القلائد: ذو الخاطر الجائش، الباري لنبل المحاسن الرّائش، الذي اخترع وولّد، وقلّد الأوان من إحسانه ما قلّد، طلع في سماء الدولة العبّادية نجما، وصار لمسترق سمعها رجما، وكان له فيها مقام محمود، وتوقّد لا يشوبه خمود، ثم استوفى طلقه، ولبس العمر حتى أخلقه، فصحب الدولة المرابطية برهة من الزمان، لا يألو نحرها تقليد الآلئ وفرائد جمان.
وأنشد من شعره قوله (3) :
أرّقني بعدك البعاد ... فناظري كحلة سهاد ...
يا غائبا وهو في فؤادي ... إن كان لي بعده فؤاد
(1) البيتان في نفح الطيب (ج 1 / ق 2 / ص 238) دون تغيير عمّا هنا.
(2) أديب وشاعر من شعراء بني عباد بإشبيلية ترجمته في بغية الملتمس (ص 280) . وقلائد العقيان (ص 290) .
(3) الأبيات في قلائد العقيان (ص 290) .