فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 744

بعض تلك الفنون كتب كثيرة، غير أنه لم يخل فيها من غلط، وسقط، لجراءته في التّسوّر على الفنون، لا سيما المنطق، فإنهم زعموا أنه زلّ هنالك، وضلّ في سلوك تلك المسالك، وخالف أرسططاليس واضعه مخالفة من لم يفهم غرضه، ولا ارتاض في كتبه. ومال أوّلا به النّظر في الفقه إلى رأي الشافعيّ، وناضل عن مذهبه، وانحرف عما سواه حتى وسم به، ونسب إليه، فاستهدف بذلك لكثير من الفقهاء، وعيب بالشذوذ، ثم عدل في الآخر، إلى قول أصحاب الظاهر، مذهب داود بن علي ومن اتبعه من فقهاء الأمصار، فنقّحه، ونهجه، وجادل عنه، ووضع الكتب في بسطه، وثبت عليه إلى أن مضى لسبيله، رحمه الله. كان يجادل عن عمله هذا من خالفه، على استرسال في طباعه، ومذل بأسراره، واستناده إلى العهد الذي أخذه الله على العلماء من عباده، (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) [آل عمران: 187] فلم يك يلطف بما عنده بتعريض، ولا يزفّه بتدريج، بل يصكّ به معارضه صكّ الجندل، وينشقه أحرّ من الخردل، فطفق الملوك يقصونه عن قربهم، ويسيّرونه عن بلادهم، إلى أن انتهوا به منقطع أثره، بقرية بلده، من بادية لبلبة. وبها توفي رحمه الله سنة ست وخمسين وأربعمائة.

وكان متشيّعا في بني أمية منحرفا عمّن سواهم من قريش، وادعى أنه من الفرس، وهو خامل الأبوّة من عجم لبله. وصله من ابن عمه أبي المغيرة رسالة فيها ما أوجب أن جاوبه بهذه: سمعت وأطعت لقول الله تعالى: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) [الأعراف: 199] وأسلمت وانقدت لقول نبيه عليه السلام: صل من قطعك، واعف عمّن ظلمك، ورضيت بقول الحكماء: كفاك انتصارا ممّن تعرّض لأذاك إعراضك عنه، وأقول (1) : [المتقارب]

تبغّ (2) سواي امرءا يبتغي ... سبابك، إنّ هواك السّباب ...

فإني أبيت طلاب السّفاه ... وصنت محلّي عما يعاب (3) ...

وقل ما بدا لك من بعد ذا ... فإنّ سكوتي عنه خطاب (4)

وأقول (5) : [الطويل]

كفاني بذكر الناس لي ومآثري ... وما لك فيهم يا ابن عمّي ذاكر

(1) الأبيات في نفح الطيب (ج 2 / ص 294) .

(2) في النفح: تتبّع.

(3) في النفح: ونزهت عرضي.

(4) في النفح: وأكثر فإنّ سكوتي خطاب.

(5) الأبيات في نفح الطيب (ج 2 / ص 295) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت