فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 744

وإن يقل أنا عمّ فالجواب له ... عمّ النبيّ بلا شكّ أبو لهب

وشاعت القصيدة، وبلغت المأمون فحرص على قتله، فلما كبس مدينة فاس وفرّ أمامه منها يحيى بن الناصر وكان ابن الصفّار في خدمته اختفى عند عجوز في خوص على قارعة الطريق، وقامت بحاله لما رأته عليه في الأعذار الموجبة للصّدقة، وأمر المأمون المنادين في الأسواق بالبحث عنه وتحذير من كتمه بإراقة الدم والإحسان لمن أظهره، وأذكيت العيون عليه، فستره الله إلى أن سكنت تلك النّائرة، ولحق بإفريقية، فأحسن إليه سلطانها أبو زكريا بن عبد الواحد وأجرى عليه مشاهرة، وجالسه، إلى أن كرهه لما شاهده من كثرة وقوعه في الأحياء والأموات، فحجبه عن مجلسه، ولم يقطع الإحسان عنه.

وسايرته يوما فأنشدني لنفسه قوله: [السريع] (1)

لا تحسب الناس سواء متى ... ما اشتبهوا (2) فالناس أطوار ...

وانظر إلى الأحجار، في بعضها ... ماء، وبعض ضمنه (3) نار

وقوله: [المجتث] (4)

يا طالعا في جفوني ... وغائبا في ضلوعي ...

بالغت في السّخط ظلما ... وما رحمت خضوعي ...

إذا نويت انقطاعا ... فاعمل (5) حساب الرجوع

ومن نثره: لا يتهلّل عند سؤاله ولا يأخذ رائده من أدبه ولا ماله. أيها الغبي المتعثّر في ذيول جهله وجاهه، الأشوس الطّرف من غير حول، الرافع أنفه دون شمم، الساري إلى العلياء سرى العين، الذي لا يظفر منه قاصده المخدوع بغير التعب والمين وغضّ اليدين. من دلك عليّ، ومن هداك إليّ، متى استدعيتني إلى ربعك، وتكلّفت من التّجمّل لحضور الفضلاء ما ليس في طبعك، وما العجب منك حين رغبت عن كنيف في تلطيخ بطيب، بل العجب ممن كان في طيب، فجاء يتلطخ بكنيف. وكأني بك في منزلك العامر بالحرمان، الغامر من الفضل والإحسان، وقد قعدت في بهوه، ونفخت شخصك الضّئيل في زهوه. ومنه: ذو اللحية الطويلة، والجثّة الضئيلة، الوسخ الأثواب، العريّ من الآداب، المرسل لسانه في كل عرض، الآخذ في كل قبيح بالطول والعرض.

(1) البيتان في نفح الطيب (ج 2 / ص 335) واختصار القدح (ص 204) .

(2) في النفح: تشابهوا، وفي اختصار القدح: ما اشتبهوا.

(3) في النفح: ضمنها، وفي اختصار القدح: «ضمنه» .

(4) الأبيات في نفح الطيب (ج 2 / ص 335) واختصار القدح (ص 204) .

(5) في النفح: فاحسب، وفي اختصار القدح: فاعمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت