فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 744

وكأنّ الأنوف تجدع منّا ... بالمواسي لزعزع ورخاء ...

نطلب الموت والهلاك بإلحا ... ح كأنّا نشتاق وقت الفناء

وبدر منه ما أوجب سجنه، فكتب إليه شعرا منه:

قل لمن أمسى بأرض ال ... غرب للخلق ربيعا ...

لا يضيق لي منك ما قد ... وسع الناس جميعا

وذكر ابن حيان: أن الأمير عبد الرحمن كان مصغيا لأحكام التنجيم، ولم يكن عنده في المنجمين مثل ابن الشّمر. وغضّ يوما من علم المنجمين، وقال: إنه مخرقة ورجم بالغيب، فأراد ابن الشمر أن يقيم له برهانا على صحته: بأن قال للأمير، اختبر في مقامك بما شئت؟ فقال: إن أنبأتني على أي باب من أبواب هذا المجلس أخرج في قيامي صدّقت بعلمك، فكتب ابن الشمر في ورقة مختومة ما اقتضى له الطّالع، ودعا الأمير من فتح له بابا محدثا في غارب المجلس الذي يلي مقعده، ثم خرج منه وترك الخروج من أبواب المجلس الأربعة وفتح الورقة، فوجد فيها ما فعله الأمير، فتعجب، ووصله. ونزل بفحص السّرادق (1) أعلى قرطبة وقد قفل من غزاة مزمعا على الدخول إلى قرطبة صبيحة غده في تعبئة كاملة، فقال له ابن الشمر: لتعلم أنك مغلوب على ذلك، ولا بد لك الليلة من المبيت في قصرك، فقال: والله أنك مغلوب على ذلك، ولا بد الليلة من المبيت في قصرك، فقال: والله لأدخلنّه، فقال: والله لتدخلنه مكرها، ولأكوننّ في هيئتي شبهك في طريقك إليه، وسوف ترى. فغضب ووكّل به، وكان ذلك اليوم مشمسا صائفا، فما هو إلّا أن دنا المساء، فانهمل من المطر وهبّ من الريح ما ضجّ له الناس، وتداعوا للدخول لقرطبة، ولم يجد الأمير بدّا من مبادرة قصره، وركب في نفر من خاصته، وابن الشمر إلى جانبه يسايره، فوطئت دابة ابن الشمر مسمارا فلم تنهض، فأمر له بفرس من جنائبه بسرجه ولجامه، فركبه، وشكا نفوذ الماء لغفارته التي كان يتوقّاه بها ووصوله إلى جسده، فأمر له الأمير بممطر خزّ من مماطره، وقنزعة من قنازعه، صبّا عليه، فاستوى والأمير في لبوسه، ومضى يسايره. فلما نزل قال له: يا مولاي كيف رأيت قولي؟ فقال: انطلق بما عليك وتحتك، والصلة لا حقة بك. كتب ابن الشّمر في الحين رقعة فيها:

تحرّك حين حرّكه ... لوقت إيابه القدر ...

فيا من دونه الحجّا ... ب والأستار والحجر ...

لئن كنت امرءا تخشى ... بوادر زجره البشر

(1) من متنزهات قرطبة الجميلة والمشهورة ذكرها المقري في نفح الطيب (ج 1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت