فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 744

وكان رواية عن الأوزاعي لا يتقلّد مذهبا، ويقضي بما يراه صوابا، وكان خيّرا، وسجّل على أحد رجال الأمير هشام في دار أخرجه عنها، فشكاه إلى الأمير، وطمع أن يأمره بحلّه فقال الأمير: والله لو سجل عليّ في مقعدي هذا لخرجت عنه. أقرّه الحكم بعد أبيه هشام حتى مات مصعب.

76 ـ أبو بكر محمد بن بشير المعافري (1)

من كتاب ابن عبد البر: أنه ولاه الحكم بعد وفاة مصعب، وهو من أهل باجة، رحل، وحج، وسمع علما كثيرا. كان يكتب لأحد الوزراء، فأشار به على الحكم فاستدعاه، فمرّ في طريقه بعابد كان له صديقا، فأخذ معه في أمره، فقال له العابد: اصدقني في ثلاثة أسألك عنها: كيف مدح الناس وذمّهم من قبلك؟ وكيف حبّك في أن يخدمك الفتيان، وتكثر بين يديك الألوان؟ وكيف حبّك للباس الحسن وركوب الفاره؟ فقال ابن بشير: أما مدح الناس وذمّهم فما أبالي من مدحني أو ذمّني في الله عزوجل، وأما أن تخدمني الفتيان وتكثر بين يدي الألوان فما أجد قلبي يتوق إلى ذلك ولا يشتهيه، وأما الركوب واللباس فما أفضّل على ملبسي ومركوبي شيئا سواه أبدا، قال: فأقبل القضاء ولا بأس عليك. فلما وصل قبل القضاء على ثلاثة شروط: نفاذ الحكم على كل أحد، وإذا ظهر له العجز من نفسه أعفي، وأن يكون رزقه من الفيء. وكان يدخل المسجد، وعليه رداء معصفر، وحذاء صرّار، ولمّة مسرّحة مدهونة، فيخطب على المنبر، فإذا رام أحد من دينه شعرة فالثّريّا أقرب إليه. وكان لا يجالسه أحد إذا قعد للقضاء، ولا يكالمه، ولا يسايره، ولا يخلو به في داره، وله طوابع من وقف عليها بادر إلى مجلس الحكم.

واحتاج سعيد الخير بن عبد الرحمن الداخل إلى شهادة سلطان الأندلس الحكم وهو ابن أخيه، فردّها القاضي، فركب إلى ابن أخيه وقال: اليوم ذهب سلطاننا من الأندلس، قاضيك الذي ولّيته يرد شهادتك، فقال: القاضي رجل صالح فعل ما يجب عليه ولست أعارضه.

وأوّل سجلّ سجّل به على الوزير الذي سعى في ولايته، فشكاه إلى الحكم، فقال له: أنت اخترته، ولكن امضي إليه في منزله. فإن أوصلك إلى نفسه، وخرج إليك فقد جعلت عزله بيدك، فلما استأذن عليه خرج إذن القاضي بأن يصل إلى مجلس الحكم، ورجع الوزير خائبا. فأرسل له:

(1) انظر ترجمته في التكلمة لابن الأبار (ص 90) وقال المقري: هو القاضي الشهير محمد بن بشير، وهو محمد بن سعيد بن بشير بن شراحيل، المعافري نفح الطيب (ج 2 / ص 358/ 362) . وترجمته في قضاة قرطبة (ص 73) وتاريخ قضاة الأندلس (ص 47) والذيل والتكملة (ص 208) والتكملة (ص 355) . وتوفي القاضي محمد بن بشير سنة 198 ه‍قبل الشافعي بست سنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت