قال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم [1] .
المناقشة والترجيح:
الراجح هو القول باستحباب الاغتسال يوم الجمعة. أما القول بالوجوب فهو مردود من وجوه:
1 -أن هذا الأمر كان للندب والإرشاد؛ لروايات أخرى تدل على ذلك، كما في حديث:"من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل". ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم:"غُسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم"، أي: واجب في السنة وفى الأخلاق الكريمة، كما تقول: وجب حقك وبرك، أي: في كرم الأخلاق [2] .
2 -لم يفهم الصحابة الوجوب في الحديث على ظاهره المعهود لدى الأصوليين, فأبو سعيد الذي روى:"غسل الجمعة واجب على كل محتلم", قد روى كذلك حديث:"ومن اغتسل فالغسل أفضل" [3] . وقول عُمر لعثمان-رضي الله عنهما-: والوضوء أيضًا وقد علمت أن رسول الله كان يأمر بالغسل [4] , دل على أن الغسل الذي كان المأمور به لم يكن عندهم على الوجوب، ولولا ذلك لما تركه عثمان،
(1) -سنن الترمذي 1/ 627.
(2) - شرح صحيح البخاري لابن بطال (2/ 477) . قلت: يؤيد ذلك ما رواه مالك في"الموطأ برواية محمد بن الحسن" (1/ 47 رقم 63) عن حماد (بن أبي سليمان) , أنه سأل إبراهيم النخعي عن الغسل يوم الجمعة ... ؟ فقال: إن اغتسلت فحسن، وإن تركت فليس عليك، فقلت له: ألم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من راح إلى الجمعة فليغتسل"؟ قال: بلى، ولكن ليس من الأمور الواجبة، وإنما وهو كقوله - سبحانه وتعالى: (وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ) [البقرة: من الآية 282] ، فمن أشهد فقد أحسن، ومن ترك فليس عليه، وكقوله - سبحانه وتعالى: (فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) [الجمعة: من الآية 10] ، فمن انتشر فلا بأس ومن جلس فلا بأس. أ ه.
(3) - الاستذكار لابن عبد البر 1/ 364. تحقيق: سالم محمد عطا، محمد علي معوض. دار الكتب العلمية: بيروت, ط 1، 1421 ه.
(4) -وذلك من خبر طويل عن سالم بن عبد الله، قال: دخل رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسجد يوم الجمعة, وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يخطب, فقال عمر: أية ساعة هذه؟ فقال: يا أمير المؤمنين، انقلبت من السوق, فسمعت النداء, فما زدت على أن توضأت. فقال عمر: الوضوء أيضا؟ وقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر بالغسل؟ (صحيح البخاري 2/ 2 رقم 878 - صحيح مسلم 2/ 580 رقم 845) . وذكر الشافعي في مسنده, ص:238: سَمى مالكٌ الداخلَ يوم الجمعة بغير غسل عثمانَ بن عفان - رضي الله عنه -.