المناقشة والترجيح:
مناقشة القول الأول: أما قول الحنفية بلزوم الإعادة على من سها لأول مرة، فمردود من وجهين:
الوجه الأول: أن حديث ابن مسعود الذي استدلوا به لا أصل له. وعلى فرض ثبوته، فإنه خارج محل النزاع، فلا دلالة فيه على تخصيص من سها أو شك لأول مرة أو لمرات كثيرة، فالحديث مطلق.
وقد استنكر الشافعي- رحمه الله- هذا القول، فيما نقله عن النووي، قال النووي: قال الشافعي: ما رأيت قولا أقبح من قول أبي حنيفة هذا ولا أبعد من السنة [1] . ووجه استنكار هذا القول مخالفته للأصول، فلم يثبت بطلان عبادة ولزوم استئنافها بالسهو أو الشك فيها. غاية ما في الأمر جبرُها -كما في الصلاة والمناسك ونحو ذلك. ولعل الشافعي-رحمه الله- يقصد ببعد هذا القول عن السنة حديث:"إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" [2] . فإن الحكم الذي عُفي عنه عام شامل للحكم الدنيوي، وهو عدم البطلان، وللحكم الأخروي وهو: عدم الإثم والمؤاخذة [3] . فالسهو ليس مبطلٌ للعبادة من أصلها بل لازمُهُ الجبر بالتحري وسجدتي السهو. والله أعلم.
الوجه الثاني: أما حديث:"لا غرار في الصلاة". فهو خارج محل النزاع، ولا دلالة فيه على بطلان الصلاة ولزوم إعادتها. غاية ما فيه أنه على المصلي أن يطلب اليقين
(1) - المجموع 4/ 111.
(2) - سنن ابن ماجة, كتاب: الطلاق, باب: طلاق المكره والناسي 1/ 259 رقم 2043 - صحيح بن حبان, باب: ذكر الإخبار عما وضع الله بفضله عن هذه الأمة 16/ 202 رقم 7219. قلت: الحديث صحيح (انظر: البدر المنير 4/ 177 - إرواء الغليل 6/ 315) .
(3) - المهذب في علم أصول الفقه المقارن لعبد الكريم النملة 4/ 1733. مكتبة الرشد: الرياض, ط 1: 1420 هـ - 1999 م.