مناقشة من قال بشرط سماع النداء:
يمكن دفع دليله من وجوه:
1 -أن الحديث الوارد في ذلك لا يصح، كما بينا.
لكن يجاب على ذلك بأن أبا داود رواه عن سُفيان [1] موقوفا على عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد أسنده قَبِيصة [2] , وهو ثقة، فيكون الخبر قد روي تارة موقوفا وتارة مسندا، فيُحْمَل الموقوف على فتواه, ويحمل المسند على روايته [3] .
ويجاب على ذلك بأنهم تكلموا في سماعه من سفيان الثوري خاصة، فضعفوا روايته عن سفيان [4] , فيكون هذا مما لا يصح من روايته عن الثوري.
2 -أما قوله - صلى الله عليه وسلم:"أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال:"أجِبْ" [5] ."
فيجاب عليه من وجهين:
الأول: ليس المقصود السماع نفسه وإلا سقطت عن الأصم، إنما المقصود لزومها على من يعلم بدخول وقت الصلاة، وليس ذلك متعلقا بسماع النداء نفسه.
الثاني: رخصة النبي - صلى الله عليه وسلم - لعِتْبان بن مالك [6] في صلاته في بيته لما ضعُفَ بصره. ومعلوم أن عِتبان - رضي الله عنه - لا يبعد سماعه لنداء الجمعة؛ فهو من أهل المدينة، وهذه الرخصة عامة تشمل صلاة الجمعة.
(1) - سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري (ت:161 هـ) : أمير المؤمنين في الحديث. سيد أهل زمانه علما وعبادة. طلبه الخلفاء للقضاء فتوارى منهم. له"الجامع الكبير"و"الجامع الصغير" (ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد 6/ 350 - سير أعلام النبلاء 7/ 229 - الوافي بالوفيات 15/ 174) .
(2) - قَبِيْصَةُ بنُ عُقْبَةَ السُّوَائِيُّ، أبو عامر الكوفي: من صغار أتباع التابعين، من شيوخ البخاري. روى عنه الإمام أحمد. قال ابن معين: ثقة إلا في الثوري. (تهذيب التهذيب 8/ 349 - من تكلم فيه وهو موثق للذهبي, ص:154 - طبقات الحفاظ للسيوطي ص:164) .
(3) -الحاوي الكبير 2/ 406.
(4) - المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي 10/ 270 - تاريخ الإسلام 5/ 427 - تهذيب الكمال 23/ 484.
(5) - سبق, ص 135.
(6) - عِتبان بن مالك بن عمرو الأنصاري (ت:50 هـ) : صحابي، من أهل بدر. وكان ضعيف البصر ثم عمي، ومات في خلافة معاوية. (طبقات ابن سعد 3/ 415 - معرفة الصحابة لأبي نعيم 4/ 2225 - أسد الغابة 3/ 551) .