فهذا النهى من باب قطع الذريعة، لئلا يُعبد قبره الجهال كما فعلت اليهود والنصارى بقبور أنبيائها [1] .
قال المُلَّا علي القاري [2] : سبب لعنهم إما لأنهم كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيما لهم، وذلك هو الشرك الجلي، وإما لأنهم كانوا يتخذون الصلاة لله - سبحانه وتعالى - في مدافن الأنبياء، والسجود على مقابرهم، والتوجه إلى قبورهم حالة الصلاة; نظرًا منهم بذلك إلى عبادة الله والمبالغة في تعظيم الأنبياء، وذلك هو الشرك الخفي [3] .
المناقشة والترجيح:
مناقشة القول (الأول) بجواز الصلاة في المقبرة:
أولا: لا يصح الاستدلال بحديث"أعطيت خمس ..."؛ لأمور:
1 -لأنه عام مخصوص بأحاديث النهي عن الصلاة في المقبرة أو إليها، وأحاديث النهي عن اتخاذ قبره - صلى الله عليه وسلم - مسجدًا، وحديث"لا تجعلوا بيوتكم قبورا ...".
2 -لحديث:"الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام".
3 -هذا الحديث منسوخ بأحاديث النهي السابقة.
لكن يجاب على ذلك بما يلي:
1 -حديث النهي عن الصلاة في المقبرة ضعيف؛ فلا يُعَارض بحديث:"جُعِلَت لي الأرض مسجدا وطهورا"؛ لصحة ثبوته. وعلى فرض ثبوته، فقد قال ابن القاسم:
(1) - شرح البخاري لابن بطال 3/ 311.
(2) - المُلَّا علي القاري (ت: 1014 هـ) علي بن (سلطان) محمد، نور الدين الملّا الهروي القاري: فقيه حنفي، من صدور العلم في عصره. ولد في هَرَاة وسكن مكة وتوفي بها. وصنف كتبا كثيرة، منها:"تفسير القرآن"و"الأثمار الجنية في أسماء الحنفية"و"بداية السالك"، و"شرح مشكاة المصابيح". (انظر ترجمته: الأعلام للزركلي 5/ 12) .
(3) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح, مُلا علي القاري 2/ 301.