الجهاد، والكينونة معك، قال:"يا عمرو نِعِمَّا بالمال الصالح، للمرء الصالح" [1] . ولقد أبلى في فتوح الشام بلاء ًحسنا، فقد بعثه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - في جُملة مَن بعث من أمراء الجيوش إلى فتح الشام. و ولاه عُمرُ فلسطينَ، ثم مصر بعد أن افتتحها. وعزله عثمان عنها، فلما قُتِل عثمانُ سار إلى معاوية فشهِد مواقفه كلها بصفين وغيرها، وكان هو أحد الحكمين. ولما استرجع معاوية مصر استعمل عَمرًا عليها، فلم يزل بها إلى أن مات في سنة ثلاث وأربعين (43 هـ) على المشهور.
وقد كان معدودا من دُهَاةِ العرب وشجعانهم وذوي الرأي فيهم، وله أمثال حسنة وأشعار جيدة. ومن شعره:
إِذَا المَرْءُ لَمْ يَتْرُكْ طَعَامًا يُحِبُّهُ ... وَلَمْ يَنْهَ قَلْبًا غَاوِيًا حَيْثُ يَمَّمَا
قَضَى وَطَرًا مِنْهُ وَغَادَرَ سُبَّةً ... إِذَا ذُكِرَتْ أَمْثَالُهَا تَمْلأُ الفَمَا [2]
كان عمر بن الخطاب إذا رأى الرجل يتَلَجْلَج في كلامه، قال: خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد [3] . له أحاديث ليست كثيرة؛ تبلغ بالمكرر نحوا من أربعين حديثا، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثٍ منها، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين [4] .
لما حضرته الوفاة بكى طويلا وحول وجهه إلى الجدار؛ فجعل ابنه عبد الله يقول: يا أبتاه، أما بَشرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكذا, أما بشرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكذا. قال: فأقبل بوجهه, فقال: إن أفضل ما نُعِد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. إني
(1) - أحمد في المسند 4/ 197 رقم 17798 - البخاري في الأدب المفرد 1/ 112 رقم 299 - الطبراني في الكبير 20/ 232 رقم 1170 - الطيالسي في مسنده 2/ 174 رقم 1061. قال الهيثمي في (مجمع الزوائد 4/ 86 رقم 6242) : ورواه أبو يعلى بنحوه، ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح أ هـ. وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد 1/ 127.
(2) - الأبيات من (الطويل) ، قالها وهو يخاطب عِمَارة بن الوليد عند النجاشي، لما أخبره عمارة أن زوجة الملك النجاشي عَلِقَته. (انظر: نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري 20/ 298 - الاستيعاب لابن عبد البر 3/ 1188) .
(3) - البيان والتبيين للجاحظ (ص: 36) . دار الهلال: بيروت, 1423 هـ.
(4) -سير أعلام النبلاء 3/ 55. تحقيق: شعيب الأرناؤوط وآخرون. الرسالة: بيروت. ط 3،1405 هـ.