وأما ما نسب إلى الأمام مالك-رحمه الله-، فالثابت عنه عكس ذلك؛ حيث قال مالك لابن وهب [1] وعلي بن زياد [2] لما أخبراه: أن ناسا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك، فنفر من ذلك وبادر إلى تكذيب الناقل، فقال: كذبوا علي، كذبوا علي، كذبوا علي! ثم قال: ألستم عربا، ألم يقل الله - سبحانه وتعالى: (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ) [سورة البقرة، من الآية:223] ، وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت [3] .
وكذلك ما نسب إلى الشافعي - رضي الله عنه - عنه عند مناظرته لمحمد بن الحسن في ذلك وفقد أجيب عليه من وجوه:
الأول: أن هذه الرواية عن الشافعي قد أنكروها على محمد بن الحكم، فقد روى الأصمّ عن الربيع، قال: الشافعيّ نصّ على تحريمه في ستة كتب من كتبه [4] .
الثاني: أنه قوله في مذهبه القديم، وقد ثبت رجوعه عنه. وقد نص في مذهبه الجديد على أنه حرام [5] .
والراجح مما سبق:
هو ما ذهب إليه الجمهور من حرمة إتيان الرجل امرأته في دبرها، وأنه من أعظم الفواحش، لما يلي:
1 -قوة أدلة الجمهور في ذلك.
2 -ضعف أدلة القائلين بالجواز.
(1) -عبد الله بن وهب القرشى مولاهم، أبو محمد المصري (ت: 197 هـ) : الفقيه الثقة الحافظ العابد، روى له الجماعة. (ترجمته في: سير أعلام النبلاء 9/ 223 - حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة للسيوطي 1/ 320) .
(2) -علي بن زياد التُّونسيّ, أبو الحَسَن (ت: 183 هـ) :كان إمامًا ثقة متعبدًا من أكابر أصحاب مالك. ولم يكن في عصره أفقه منه بإفريقية. (انظر: طبقات علماء إفريقية لأبي العرب التميمي 43 - الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب لابن فرحون المالكي 2/ 92) .
(3) -الهداية إلى بلوغ النهاية 1/ 739 - تفسير القرطبي 3/ 95 - تفسير بن كثير 1/ 592 - المدخل لابن الحاج 2/ 193.
(4) -تفسير ابن كثير 1/ 599 - فتح القدير للشوكاني 1/ 260 - الحاوي 13/ 219 - نهاية المطلب في دراية المذهب 12/ 392 - فتح البيان في مقاصد القرآن لصديق حسن خان 1/ 450 - محاسن التأويل للقاسمي 2/ 124.
(5) -الأم 1/ 53 - الحاوي 9/ 317 - نهاية المطلب 12/ 392 - المجموع 16/ 416.