الله، أنا قتلته، وأنا بوادي السباع [1] . إن يلِ هذا الأمر طلحة [2] ,فهو فتى العرب، وإن يَلِهِ ابن أبي طالب, فهو أكره من يليه إِلَيَّ. فبلغه بيعةُ علي، فاشتد عليه، وأقام ينتظر ما يصنع الناس، فأتاه مسيرُ عائشة [3] وطلحة والزبير [4] ، فأقام ينتظر ما يصنعون، فأتاه الخبر بوقعة الجمل فأُرْتِج عليه أمره [5] . فسمع أن معاوية بالشام لا يبايع عليًا، وأنه يعظم شأن عثمان، وكان معاوية أحب إليه من علي، فدعا ابنيه عبد الله ومحمدًا فاستشارهما، وقال: ما تريان؟ أما عليٌ: فلا خير عنده، وهو يُدْلِ بسابقته [6] , وهو غير مُشركي في شيء من أمره. فقال له ابنه عبد الله: توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر وهم-عنك-راضون؛ فأرى أن تَكُف يدك وتجلس في بيتك حتى يجتمع الناس على إمام فتبايعه. وقال له ابنه محمد: أنت نابٌ من أنياب العرب، ولا أرى أن يجتمع هذا الأمر وليس لك فيه صوت. فقال عمرو: أما أنت يا
(1) - الكامل في التاريخ لابن الأثير 2/ 628 - تاريخ الطبري 4/ 560. ووادي السباع: موضع على خمسة أميال من البصرة، قُتل به الزبير بن العوام، وبه قبر أنس بن مالك - رضي الله عنه - (أنظر: معجم البلدان 5/ 343) .
(2) - طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي القرشي، أبو محمد (ت: 36 هـ) : صحابي، شجاع، من الأجواد. أحد المبشَّرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى. قتل يوم الجمل وهو بجانب عائشة. (الطبقات الكبرى لابن سعد 3/ 152 - البدء والتاريخ 5/ 82 - صفة الصفوة 1/ 130) .
(3) - عائشة بنت أبي بكر الصديق، أم المؤمنين، زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - (ت: 58 هـ) : أفقه نساء المسلمين وأعلمهن بالدين والأدب. تزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - في السنة الثانية بعد الهجرة، فكانت أحب نسائه إليه، وأكثرهن رواية للحديث عنه، وكان أكابر الصحابة يسألونها؛ فتجيبهم. رُوي عنها 2210 أحاديث. (انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد 8/ 39 - أعلام النساء 2/ 760) .
(4) - الزبير بن العوام بن خويلد القرشي: الصحابي الشجاع، أحد العشرة المبشَّرين بالجنة، وأول من سلَّ سيفا في الإسلام. وهو ابن عمة النبي - صلى الله عليه وسلم -. جعله عمر فيمن يصلح للخلافة بعده. قُتل غِيلة يوم الجمل. (ترجمته: تهذيب ابن عساكر 5/ 355 - وصفة الصفوة 1/ 132) .
(5) - اُرتِجَ عليه: إذا استغلقَ عليه الكلام. وأصله مأخوذٌ من الرِّتَاج، وهو البابُ. انظر: الكامل في اللغة لابن المبرد (1/ 102) . تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم, دار الفكر العربي: القاهرة, ط 3, 1417 هـ.
(6) - أي يفتخر بها، ويعدها سببا في تقديمه على غيره من الصحابة، من الإدلاء.
قال البحتري:
إذا مَحاسِني اللائي أدِلُّ بِها ... كانَتْ ذُنوبي فقُلْ لي كَيْفَ أعْتَذِرُ
انظر: نهاية الإرب في فنون العرب للنويري (3/ 98) . دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة, ط 1،1423 هـ.