فهرس الكتاب
الأول: أن الجهل والنسيان لا يكون عذرًا في ترك المأمورات، وهذا محل وفاق بين المذاهب.
أما الشق الآخر: وهو أن النسيان عذر في المنهيات فهو محل خلاف بين المذاهب، إلا أنهم يعذرون في مواطن من حيث الجملة، وإن كان بعضهم يُضيّق، وبعضهم يوسّع الدائرة.
فالحنفية لهم تفصيل في كون النسيان عذرًا من عدمه:
فإن وجد داعٍ من الطبع للفعل، ولم يكن معه شيء من سبب التذكر، فإن النسيان يسقط حكمه، فلا يُسقط العبادة، وهو ما يسمى بالنسيان الأصلي، كأكل الصائم ناسيًا حال صومه، فإنه ليس في الصوم هيئة مذكرة به، والطبع داعٍ إلى الأكل لطول مدة الصوم، وهذا يصلح عذرًا لغلبة وجوده.
وكذا إذا انعدم الداعي للفعل، ولم يكن ثمّة سبب من التذكر سقط الحكم بالنسيان، وهو أولى بالسقوط من غيره، كترك التسمية في الذبيحة، فإنه لا داعي لتركها، وليس ثمة ما يذكر إخطارها بالبال، أو إجراءها على اللسان، مع حصول التغير في حال البشر كالهيبة والنفور وكثرة من لا يحسن الذبح من البشر خصوصًا من كان طبعه رقيقًا يتألم بإيذاء الحيوان، فيتمكن النسيان من التسمية في تلك الحالة.
وإن فعل المنافي مع انعدام الداعي للفعل ووجود سبب التذكر لما هو بصدده فإن حكم النسيان لا يسقط، وتبطل العبادة، وهو ما يكون النسيان فيه بسبب التقصير بأن لا يباشر سبب التذكر مع قدرته عليه، وهذا يصلح للعتاب فلا يجعل عذرًا للتقصير، كالأكل حال الصلاة ناسيًا، فإن هيئة المصلي سبب مذكرة له مانعة من النسيان وداع الطبع للأكل في الصلاة منتفٍ عادة لقصر مدتها [1] .
(1) ينظر: التقرير للبابرتي (7/ 489) ، كشف الأسرار (4/ 456) ، التقرير والتحبير (2/ 229) ، الأشباه والنظائر=
=لابن نجيم ص (303) .