هذا ومن أقدس الواجبات، وأولى الغايات في التحقيق، تتجه إلى تحرير النص وقراءته قراءة صحيحة على النحو الذي جاء به عند مؤلفه، فاجتهدت في البحث والتنقيب في الفهارس والخزائن لعلي أظفر بنسخة تليق بالمؤلف والمؤَلف، فهديت لفهرس الدكتور يوسف حسين، فهرس فيه لأهم خمسمائة مخطوطة من مخطوطات زاوية علي بن عمر (طولقَة - الجزائر) ، وكان كتاب (المواقع) مفهرسا، فسررت به، ووقع عندي أجمل موقع، فهو أم النسخ وأعلاها، أملاه المصنف سنة (799 ه) ، أي قبل وفاته بنحو 35 سنة، على يد تلميذه محمد عبد السلام المالكي، بخط مجوّد مقروء، سالم من التصحيف والسقط، فعزمت على إعادة تحقيقه - بعد أن صوره لي أمين الخزانة العثمانية الأستاذ سعد، وله مني جزيل الشكر والامتنان، ووفقه الله لرعاية الخزانة وتسهيلها على الباحثين - وهذا دأب المحققين المستدركين، ومما دفعني وهزّني بقوة في تعين إخراجه، لما قابلت النسخة الطولقَية بعد تفريغها بالزكية، لأقف على العوار البين، والهزال الجلي، فجمعت الهمة، وطلبت المنة.
هذا كله وغايتي أن يخرج الكتاب بالصورة المتوخاة التي تحمل في طياتها أصلا صحيحا معتبرا، مبرأ من الشوائب والملابسات، بالاعتماد والاتكاء على النسخة الأم، فإنه قد يتسامح في بعض جوانب التحقيق مع أهميتها، لكن أن يترك النص مصحّفا، فهذا مما لا يتسامح فيه، ولا يعفى عنه، خاصة والمباحث دقيقة، ويعظم الخطب إذا تعلقت العلوم بكلام الله تعالى، ألا وهو القرآن المجيد، ومما لاحظته على الدراسة الأولى؛ الإسهاب الواضح بالتعليق على كل كبيرة وصغيرة ترد في المخطوطة، ولا يغادر شاردة ولا واردة من ذلك دون تمييز بين ما هو مفيد وتدع وإليه الحاجة، وما لا فائدة من ذكره، إلى درجة يكاد يصعب معها تلمس النص المحقق في وسط ذلك الركام من التعليقات التي قد تتجاوز الصفحة أو أكثر في التعليق على سطر أو أقل من المخطوطة، وفيها تزيد بشكل لا تدعو الحاجة أو الضرورة إليه، وهذا الإغراق على حساب العمل الأساسي في التحقيق، وهو تحرير النص وتقويمه من التصحيفات والتحريفات، فالتعليق له قصده وميزانه، وإثقال الحواشي والنقول والإسراف فيها، قد تطوح بالقارئ، وهو كما يقال: في بيداوات المنبت الذي لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.