طوى علوم القرآن على مايقتضيه الوادع والشارح؛ فمن مفرع لها على أقوال كالطبري، أو مبوّب لها على أبواب كالقرطبي، أو مقدم بمقدمات كابن جزي، أو مفصل لفصول كابن عادل في اللباب، أو مقعد لقواعد كالقاسمي في المحاسن، في حين يغيب التنويع إلى أنواع في خطب الافتتاح وصدر التفاسير، فلم أقف على تفسير يعدّدُ علوم القرآن على طريقة التنويع (النوع الأول والثاني ... ) ، والملحظ في صيغ الأبواب والفصول والأقوال والمقدمات؛ الوجازة في عدّها من حيث الكثرة والوفرة، لا من حيث التعمق وتأييد المذهب بشواهد المعقول والمنقول في سردها، إذ لا تزيد على العشرة غالبا، وقد تفوق بزيادة نصفها على الأكثر، كما نجد تداخلا بين الفصول أو الأبواب، واستطرادات تطول أو تقصر تلتقف بين المطاوي كان بالإمكان
اجتزاؤها إلى أبواب أخرى.
هذا القسم من مقدمات التفاسير بنوعيه آثرت استبعاده وأنا أقارن لعدم انضباطه، وجزالة تشجيراته، كما أن علوم القرآن ركزت فيها على طبع يستشفها الناظر ويستخرجها بإعمال فكره ودقيق فهمه غالبا، ولا يستفيدها من عنوان الكلام ورموز العبارة.
أما القسم الأول وهو ما قصد التأليف فيه قصدا استقلاليا؛ كفنون الأفنان، وجمال القراء، والمرشد الوجيز، والإكسير في علم التفسير، فهي لا تختلف كثيرا عن قسيمتها، حيث إن إحصاء العلوم وتصنيفها لم يعرف النقل والتأثر بالواضع الأول إلا عند السيوطي، حيث تخير من جميع الأزهار ليخرج لنا عسلا مصفى، كما يعرف محدودية الصرح والبناية، فابن الجوزي كان سباقا إلى الفكرة، والسخاوي عاصره ولم ينقل عنه، ثم جاء أبوشامة فتتلمذ عن السخاوي وأكثر النقل عنه حيث يقول:"وقال شيخنا أبو الحسن" (1) وهو يقصده، ولم يقاربه في المنهج الموضوعي ولا الترتيبي، ولا نقل كذلك عن ابن الجوزي، فهذه ثلاثة كتب مستقلة المبنى، وغير جديرة بالالتفات لمن رغب جمعا أو شكلا في فنون القرآن.
(1) ينظر: المرشد الوجيز ص (26، 46، 71 .. ) .