هذا هو القانون المعتبر في الأصول، وأقسم «الرازيّ» بمحيي الموتى أن «بقراط» لو سمعه لما صنف «الفصول» ، أو جنح إلى غيره من العلوم الطبيعية فكأنما طبع عليه، أو جذب له ذلك العلم بزمام فانقاد إليه، أو سلك في علوم الهندسة طريقا لقال «أوقليدس» : هذا هو الخطّ المستقيم، وأعرض «ابن الهيثم» عن حلّ الشكوك وولّى وهو كظيم، وحمد «المؤتمن بن هود» عدم إكمال كتابه «الاستكمال» وقال: عرفت قدر نفسي: وفوق كلّ ذي علم عليم، أو عرج على علوم الهيئة لاعترف «أبو الريحان البيرونيّ» أنه الأعجوبة النادرة، وقال «ابن أفلح» : هذا العالم قطب هذه الدائرة، أو صرف إلى علم الحساب نظره لقال «السّموأل بن يحيى» : لقد أحيا هذا الفنّ الدّارس، ونادى «ابن مجلي الموصليّ» : قد انجلت عن هذا العلم غياهبه حتى لم يبق فيه عمه لعامه ولا غمّة على ممارس.
وقد وجدت مكان القول ذا سعة ÷ فإن وجدت لسانا قائلا فقل
وكيف لا تلقي إليه العلوم مقاليدها، وتصل به الفضائل أسانيدها، وهو ابن شيخ الإسلام وإمامه، وواحد الدّهر وعلّامه، وجامع العلوم المنفرد، ومن حقّق وجوده في أواخر الأعصار أنّ الزمان لا يخلو من مجتهد، ومن لم يزل موضوع الأوضاع المعتبرة عليه محمولا، ومن كان على رأس المائة الثامنة مضاهيا لعمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى؛ فالخناصر عليه وعلى ولده تعقد، ولا غرو إن قام منشدهما فأنشد:
إن المائة الأولى على رأسها أتى ÷ لها عمر الثاني لذا الدّين صائنه ووالى رجال بعد ذاك كمث له ÷ فها عمر وافى على رأس ثامنه يظاهره نجل سعيد غدت به ÷ معاقل علم في ذرا الحقّ آمنه إذا شيخ إسلام أضاء سراجه ÷ رأيت جلالا من سنا الفضل قارنه فلا يعدم الإسلام جمع علاهما ÷ ولن يبرحا للدّين دأبا ميامنه
فقال «علم الأخلاق» : أصبت سواء الثغرة وجئت بالرأي الأكمل، وعرفت من أين تؤكل الكتف فطبقت المفصل بالمفصل؛ إلا أنّ من محاسن الأخلاق، ومعالم الإرفاق، أن تعودوا بفضلكم، وترجعوا بمعروفكم وبركّم، إلى من جرى بكم في التفاخر مجرى الإنصاف، وبسط لسان كلمه بما اشتمل عليه كلّ منكم من جميل الأوصاف؛ ثم كان من شأنه أن وصل بالاتفاق والالتئام حبلكم، وجمع بالمحلّ الكريم بعد التباعد شملكم، وذكركم بحسن المصافاة أصل الوداد القديم، وتلا بلسان الألفة فيكم: {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34] بأن ينتصب كلّ منكم له شفيعا إلى هذا السّيّد الجليل ويكون له وسيلة إلى هذا